ثامنًا: الكسوف والخسوف:
قال -رحمه الله-: (فكذلك الله أجرى العادة أن الشمس لا تكسف إلاّ وقت الاستسرار، وأن القمر لا يخسف إلاّ وقت الإبدار، ووقت إبداره هي الليالي البيض التي يستحب صيام أيامها: ليلة الثالث عشر، والرابع عشر والخامس عشر. فالقمر لا يخسف إلا في هذه الليالي والهلال يستسر آخر الشهر: إما ليلة، وإما ليلتين. كما يستسر ليلة تسع وعشرين، وثلاثين، والشمس لا تكسف إلاّ وقت استسراره. وللشمس والقمر ليالي معتادة، من عرفها عرف الكسوف والخسوف. كما أن من علم كم مضي من الشهر يعلم أن الهلال يطلع في الليلة الفلانية أو التي قبلها. لكن العلم بالعادة في الهلال علم عام، يشترك فيه جميع الناس، وأما العلم بالعادة في الكسوف والخسوف فإنما يعرفه من يعرف حساب جريانهما، وليس خبر الحاسب بذلك من باب علم الغيب، ولا من باب ما يخبر به من الأحكام التي يكون كذبه فيها أعظم من صدقه، فإن ذلك قول بلا علم ثابت، وبناء على غير أصل صحيح. وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد) [1] . وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أتى عرافًا فسأله عن شيء فصدقه، لم يقبل الله صلاته أربعين يومًا) والكهان أعلم بما يقولونه من المنجمين في الأحكام، ومع هذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن إتيانهم، ومسألتهم، فكيف بالمنجم؟! وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع، عن هذا الجواب. وأما ما يعلم بالحساب، فهو مثل العلم بأوقات الفصول، كأول الربيع، والصيف، والخريف، والشتاء، لمحاذاة الشمس أوائل البروج» التي يقولون فيها أن الشمس نزلت في برج كذا: أي حاذته. ومن قال من الفقهاء: إن الشمس تكسف في غير وقت الاستسرار فقد غلط، وقال ما ليس له به علم والعلم بوقت الكسوف والخسوف وإن كان ممكنًا، لكن هذا المخبر المعين قد يكون عالمًا بذلك، وقد لا يكون. وقد يكون ثقة في خبره، وقد لا يكون. وخبر المجهول الذي لا يوثق بعلمه وصدقه ولا يعرف كذبه موقوف. ولو أخبر مخبر بوقت الصلاة وهو مجهول، لم يقبل خبره، ولكن إذا تواطأ خبر أهل الحساب على ذلك فلا
(1) رواه ابن ماجة وأحمد.