وأما إجابتهم على خبر كريب بأن فيه أنهم لا يفطرون بخبر كريب ونحن نقول به وإنما الخلاف في وجوب قضاء اليوم الأول وليس هو في الحديث فإنه احتمال بعيد لا حاجة إليه، ولو صح اعتبار مثله لكان مفضيًا إلى طرح أكثر الشريعة.
ولا شك أن خبر كريب نص وأدلتهم محتملة ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كتب إلى من بَعُدَ من المدينة بشأن هلال رمضان أو غيره، ولو كانت لازمة للجميع لكتب إليهم تعاونا على تحري الميقات، ولأن الصحابة والتابعين يبلغهم الخبر أثناء الشهر بتقدم رؤية بعض الأمصار فلو كانت الرؤية لازمة لوجب القضاء ولتوفرت الهمم على البحث عن رؤيته لكثرة القضاء.
قال ابن عبد البر: إلى القول الأول أذهب لأن فيه أثرًا مرفوعًا، وهو حديث تلزم به الحجة، وهو قول كبير لا مخالف له من الصحابة، وهو قول طائفة من التابعين، ومع هذا فإن النظر يدل عليه، لأن الناس لا يكلفون علم ما غاب عنهم في غير بلدهم ولو كلفوا ذلك لضاق عليهم، أرأيت لو رؤي بمكة أو خراسان هلال رمضان أعوامًا بغير ما كان بالأندلس، ثم ثبت ذلك بعد زمان أو عند بعضهم أو عند رجل واحد منهم أكان يجب عليه قضاء ذلك وهو قد صام برؤية، وأفطر برؤية أو بإكمال ثلاثين يومًا كما أمر؟! ومن عمل بما يجب عليه مما أمر به فقد قضى الله عنه، وقول ابن عباس عندي صحيح في هذا الباب والله الموفق للصواب [1] .
وقال المطيعي: وأنت إذا رجعت إلى الواقع ونفس الأمر تجد أن اختلاف المطالع معلوم بالضرورة واختلاف الأوقات باختلافها شاهد معاين.
وقال -بالجملة- فالقول بعدم اختلاف المطالع مخالف للمعقول والمنقول أما مخالفته للمعقول فلما علمته من مخالفته لما هو ثابت بالضرورة من اختلاف الأوقات وأن النهار عند قوم قد يكون ليلا عند آخرين وأما مخالفته للمنقول فلما تقدم خبر كريب [2] .
(1) التمهيد 34/ 29.
(2) إرشاد أهل الملة 277.