فهرس الكتاب
ذلك التصريح بذكر أعدائه نجده في نظمه أبلغ حين صرح بضررهم عليه وبين أسباب دعواهم في قوله [1] : -
وبُلِّغْتُ أقوامًا تَجييِشُ صُدورُهمْ ... عَليَّ، وإني منهُمُ فارغُ الصَّدْرِ
أصاخوُا إلى قولي فأسْمَعْتُ مُعْجِزًا ... وغاصُوا على سِرّي فأعْياهُمُ أمري
فقال فريقٌ: ليس ذا الشّعْرُ شِعْرَهُ ... وقال فريقٌ: أيْمُنُ الله ِ، ما ندري
ففي قوله:"تجيش صدورهم"كناية عن الحقد والحسد عليه بأبلغ ما يكون الكلام وإن كان قد صرح في نثره على حسدهم إياه إلا أنه هنا أفاد المعنى بصورته القوية الدالة على عمق معنى الحزن النفسي، فكسته روعة وإبداعًا تعبيريًا، وقد"أجمع الجميع على أن الكناية أبلغ من الإفصاح، والتعريض أوقع من التصريح" [2] ، وما ذلك إلا لكونها تفيد مالا يفيده التصريح من دقائق أوصاف الأمور المعنوية، والنفسية.
فتلك حجة اتهامه، وسبب العداوة القائمة بينه وبين أبناء عصره، وإن كان ألف رسالته"التوابع والزوابع"ردًا عليها، ودحضًا لها، فهو هنا يندد بها وينبه على حقيقتها الكامنة في شعورهم بالحسد والغيرة تجاهه.
نصل من ذلك إلى أن الصورة في البناء الشعري عند ابن شهيد تحمل أفكارًا ومعاني وخيالات استطاعت أن تفصح عن جوانب متعددة وخفية في نفس الشاعر، وعبرت عن عواطفه وانفعالاته بقدر ما تركته من تأثير في نفس المستمع، وهي من جانب آخر أتت لتعبر عن قدرة شهيديه بالغة في النظم والتحبير، وموهبة فذة في الخيال والتصوير، كما في وصفه للبرغوث مثلًا [3] .
(1) ديوان ابن شهيد، ص: 114.
(2) دلائل الإعجاز، ص: 70.
(3) راجع ص: 39 من الدراسة.