فهرس الكتاب
ثانيًا: - مدى التقليد والتجديد في صياغة الصور البيانية عند ابن شهيد: -
اختلفت آراء النقاد في تقييم شعر ابن شهيد، فالبعض يجده مقلدًا لغيره تقليدًا يصل به حد السرقة، وآخر يجده مستقيًا من غيره المعاني التي يضفي عليها لمسة من إبداعه الفني في الصياغة والعرض، وثالث يجده مبتكرًا وإن كان في حدود ضيقة من منظومة الصور البيانية في شعره.
ولكن لكي نحدد مستوى التقليد، والتجديد في شعر ابن شهيد فإن من الضروري أن ننظر إلى ذلك الوصف الفني والنقدي انطلاقًا من رأي ابن شهيد في تلك القضية لنصل إلى فهم تصوره الشخصي في بيان حدود الأخذ، والسرقة، في المعاني الشعرية، والصياغات البلاغية، من خلال ما احتوت عليه رسالته"التوابع والزوابع"من موقف نقدي يوضح رأيه ويبين عن أسلوبه فيها، إذ يقول:"وحضَرتُ أنا أيضًا وزهيرٌ مجلِسًا من مجالسِ الجنّ، فتَذاكرنا ما تعاورَتْه [1] الشّعراءُ من المعاني، ومَن زاد فأحسَن الأخْذ ََ، ومن قصّر. فانشدّ قول الأفوه [2] بعضُ من حضَر: -"
وترى الطّيرَ على آثارِنا ... رأيَ عَينٍ، ثِقَة ً أن سَتُمارْ [3]
وأنشَد آخَرُ قولَ النابغة [4] : -
إذا ما غَزَوا بالجيشِ حلّقَ فوقَهُمْ ... عَصائبُ طَيرٍ تَهْتدي بعَصائبِ
تَراهُنَّ خََلْفَ القومِ خُزْرًا عُيُونُها ... جُلُوسَ الشيوخِ في ثَيابِ المرانِبِ [5]
جَوانِحَ، قد أيْقَنَّ أنَّ قَبيِلَهُ، ... إذا ما التَقى الجَيشانِ، أوَّلُ غالِبِ
(1) تعاور الشيء تداوله بينهم، المعجم الوجيز مادة عور.
(2) (*) الأفوه الأودي هو صلاءة بن عمرو، وهو شاعر جاهلي من مذحج، ويكنى أبا ربيعة، يُنظر الشعر والشعراء، لابن قتيبة، تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار المعارف بمصر، ج 1، ص: 223.
(3) من مار أهله أعد لهم الميرة، والميرة الطعام يجمع للسفر ونحوه، المرجع السابق مادة مار.
(4) (**) النابغة الذبياني هو زياد بن معاوية بن ضباب بن جابر، كنى أبا أمامة، أحد شعراء السياسة القبلية في العصر الجاهلي، لقب بالنابغة لأنه قال الشعر بعد أن أربى على الأربعين، عده ابن سلام من شعراء الطبقة الأولى، وشعره حسن الديباجة، كثير الرونق، جزل الصياغة، يُنظر وفيات الأعيان في أنباء أبناء الزمان، ج2، ص: 54.
(5) خزّر العين ضيق جفنيهما ليحدد النظر، المؤرنب كساء خلط بغزله وبر الأرنب، المرجع السابق مادة: خزر، أرنب.