الصفحة 128 من 232

وأنشدَ آخرُ قولَ أبي نُواس [1] : -

تتَأيّا الطّيرُ غَدوَتَهُ ... ثِقَة ً بالشِّبْعِ من جَزَرِه [2]

وأنشد آخرُ قولَ صَريع الغَواني [3] : -

قد عوَّد الطّيرَ عاداتٍ وثِقْنَ بها، ... فهُنَّ يَتْبَعْنَهُ في كلّ مُرتَحَلِ

وأنشد آخرُ قولَ أبي تمّام [4] : -

وقد ظُلّلَت عِقْبانُ أعلامِه ضُحًى ... بِعِقْبانِ طَيرٍ في الدِّماء نواهِلِ

أقامَتْ معَ الرّاَياتِ حتى كأنّها ... من الجيش ِ، إلاَّ أنّها لم تقاتِل ِ

فقال شَمَرْدَلُ السَّحابي: كُلّهم قصّر عن النابغة؛ لأنه زاد في المعنى ودلَّ على أنَّ الطيرَ إنّما أكَلتْ أعداء الممدوح، وكلامُهم كلهم مشتَرك يحتملُ أن يكونَ ضِدَّ ما نَواهُ الشاعر، وإن كان أبو تَمّامٍ قد زاد في المعنى. وإنّما المحسنُ المتخلّصُ المتنبي [5] حيثُ يقول: -

لهُ عسْكَرَا خَيلٍ وطير ٍ إذا رمى ... بها عَسْكَرًا لم تَبْقَ إلاَّ جماجِمُهْ

وكان بالحَضْرةِ فتًى حسَنُ البِزَّة، فاحتدَّ لقولِ شَمَرْدَل، فقال: الأمرُ على ما ذكرتَ يا شَمَرْدل، ولكن ما تَسألُ الطيرُ إذا شبِعَتْ أيُّ القَبيلين

(1) (*) هو الحسن بن هاني الحكمي، يكنى بأبي نواس، تميز بفصاحة اللسان، وحضور البديهة، مدمنًا للخمر، كثير الهزل والمجون، ضليعًا في اللغة، وراويًا للشعر والأخبار، شعره جزل الألفاظ، فخم الأسلوب كثير الغريب، توفي عام 199هـ، المصدر السابق، ج1، ص: 168.

(2) تتأيا أي تقصد وتعتمد، الجزر ما يذبح من الشاة، وجزر السباع اللحم الذي تأكله، وهنا كناية عن قتلى الممدوح في الحرب، لسان العرب مادة: تأي، وجزر.

(3) (**) هو مسلم بن الوليد من أبناء الأنصار. وكان مداحًا محسنًا، لقب بصريع الغواني، وهو أول من ألطف في المعاني، ورقق في القول، الشعر والشعراء، ج2، ص: 832.

(4) (***) هو حبيب بن أوس الطائي، بلغ من الشعر مبلغاُ لم يزاحمه فيه أحد من أهل عصره، وكان فصيحًا ذو طبع، حاضر البديهة قوي الذاكرة، كانت له طريقة في الشعر آثر فيها تجويد المعنى، وتسهيل العبارة، وتوخي الجناس والمطابقة، والاستعارة، وله معاني مبتكرة، توفي 476هـ، وفيات الأعيان لابن خلكان، ج2، ص: 11.

(5) () هو أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي، ولد بالكوفة عام 303هـ، نال حظًا من علوم اللغة والأدب، كان كبير النفس عالي الهمة طموحًا إلى المجد، وشاعر من شعراء المعاني، وفق بين الشعر والفلسفة، وخرج بالشعر

عن أساليب العرب التقليدية، حظي في شعره بالحكم والأمثال، وكان من المكثرين من نقل اللغة والمطلعين على غريبها، توفي مقتولًا عام: 354هـ، المصدر السابق، ج1، ص: 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت