فهرس الكتاب
الغالب؟ وأما الطّيرُ الآخر فلا أدري لأيّ معنًى عافتِ الطيرُ الجماجمَ دونَ عِظام ِ السُّوقِ والأذرع .... ؟، ولكنَّ الذي خلّص هذا المعنى كلّه، وزاد عليه، وأحسَنَ التركيب، ودلَّ بلفظةٍ واحدةٍ على ما دلَّ عليه شعرُ النابغة وبيتُ المتنبي، مِن أن القَتلى التي أكَلتْها الطيرُ أعداءُ الممدوح، فاتِكُ بنُ الصَّقْعَب في قوله: -
وتَدْري سِباعُ الطيرِ أنَّ كُماتَهُ ... إذا لَقِيَتْ صِيدَ الكُماةِ، سِباعُ [1]
لهُنَّ لُعابٌ في الهَواءِ وهِزَّة ٌ، ... إذا جَدَّ بين الدَّارِِعِينَ قِراعُ
تَطيرُ جِياعًا فَوقَهُ وتَردُّها ... ظُباهُ إلى الأوكارِ وهْيَ شِباعُ
تَمَلّكَ بالإحسانِ رِبْقَةَ رِقّها ... فهُنَّ رقيقٌ يُشترى ويُباعُ [2]
وألْحَمَ مِن أفراخِها فَهْيَ طََوعُهُ ... لدى كلّ حربٍ، والمُلُوكُ تُطاعُ
تُمَاصِعُ جَرحاها فيُجْهِزُ نَقْرُها ... عليهِمْ، وللطَّيرِ العِتاقِ مِصاعُ [3]
فاهتزَّ المجِلسُ لقوله، وعلِموا صِدقََه، فقلتُ لزهير: مَنْ فاتِكُ بنُ الصَّقْعب؟، قال: يعني نفسَه. قلت له: فهَلاَّ عرَّفْتني شأنََه منذ حين؟ إني لأرى نزَعاتٍ كريمة." [4] ."
وفي موضع آخر من الرسالة ذاتها نجده يوضح منهجه في ذلك , فيقول:"إذا عمدت إلى معنى قد سبقك إليه غيرك فأحسن تركيبه وأرق حاشيته فأضرب عنه جملة، وإن لم يكن بُد ففي غير العروض التي تقدم إليها ذلك المحسن لتنشط طبيعتك وتقوى منتك" [5] .
فذلك رأي يتوافق في مضمونه وغايته مع رأي العسكري وهو من نقاد المشرق إذ يقول:"ليس لأحد من أصناف القائلين غنى عن تناول المعاني ممن تقدمهم والصب على قوالب من سبقهم، ولكن عليهم - إذا أخذوها - أن يكسوها"
(1) الكمى لابس السلاح، والشجاع المقدام الجريء، جمعه كماة، المعجم الوجيز مادة كمى.
(2) الربق حذو عُرى، أو حلقة لربط الدواب المرجع السابق مادة ربقه.
(3) مصع من المماصعة، والمصاع المجالده والمضاربة، والعتق، قدُم، وكرم، فهو عتيق، لسان العرب مادة مصع، عتق.
(4) رسالة التوابع والزوابع، ص: 134، وفاتك بن الصقعب هو ابن شهيد نفسه، فالأبيات التي أوردها نسبة له وردت منسوبة إليه في ديوانه، بتحقيق: د. يعقوب زكي، ص 123، القصيدة رقم: 36.
(5) الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، ق1، م1، ص: 287.