الصفحة 132 من 232

ذلك المعنى ورد في الأدب المشرقي، وعند عنترة العبسي [1] ، في قوله يفخر [2] : -

وَأنا المَنّية في المَواطِن كُلِّها، ... وَالطّعْنُ منِي سابقُ الآجَال ِ

فمعنى الشجاعة والإقدام، وقوة الصولة تلوح من مفتتح البيت، حيث شبه نفسه بالمنية، تشبيهًا بليغًا، اسند فيه المشبه به للمشبه، فأوهم تمام التماثل بين الموصوفين، ثم أبان بأن ذلك منه حال دائم له في جميع مواطن القتال دون توانٍ، أو فتور، وبالغ في التصوير إذ أشار أن طعنه للأعداء يسبق لهم بآجالهم المقدرة في علم الغيب.

فالتشبيه بالموت وصف اشترك فيه ابن شهيد وعنترة، غير أن الصورة عند عنترة كانت أكثر تأثيرًا، وأبلغ في عرض القوة والشجاعة، فهو لم يكتف بأن أشار إلى أنه موت يلقى الأعداء، بل زاد في ذلك الوصف بأن جعل طعنه يعجل بآجالهم، ولا يمهلهم للقتال أو ترجي الدفاع عن أنفسهم"والطعن مني سابق الآجال"، فهي صورة تصف الصراع بين القوة الغاشمة، والدفاع المستميت، ذلك المعنى في الإقدام والاندفاع للقتال والشجاعة في الحرب، لا نجده يظهر في صورة ابن شهيد، إذ يكتفي بتصوير الممدوح قادرًا على الوصل لأعدائه والنيل منهم، في مقابل ضعفهم المتمثل في الفرار، كما أن للموت قدرة لا مفر منها، وسطوة لا سبيل لدفعها. وهي صورة تتجلى فيها القوة الأكيدة والضعف المهين في الفرار، بحيث يقل معها الإحساس بشجاعة الممدوح، وقدرته، وربما كان في مستوى قول ابن شهيد قول النابغة [3] وقد سبق إلى الفكرة التي أرادها ابن شهيد في قوله [4] : -

(1) (*) هو أبو المغلس عنترة بن عمر بن شداد العبسي، تميز بالشجاعة والفروسية، مما جعل والده يستلحقه لينسبه إليه بعد أن أنكره لأن أمه حبشية، شارك في حرب داحس والغبراء، تميز شعره بالرقة في الغزل، ومتانة الفخر، له معلقة شهيرة، قتل سنة 615م، يُنظر أشعار الشعراء الستة الجاهلين، اختيارات من الشعر الجاهلي، ج2، ص: 107.

(2) ديوان عنترة العبسي، دار صادر، بيروت، 1385هـ، 1966م، ص 109.

(3) (**) سبقت ترجمته ص: 114.

(4) ديوان النابغة الذبياني، جمعه وشرجه وعلق عليه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، نشر الشركة التونسية، والشركة الوطنية للنشر والتوزيع، ص: 168.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت