عليه رطبًا جنيًا"فهو مستمد من قوله تعالى في سورة مريم: {وَهُزِّيْ إِلَيْكِ بِجِذْعِ الْنَّخْلَةِ تُسَاقِطُ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيَّا} [سورة مريم آية 25] ، فقد جمع الكاتب بين الحسنيّن: جودة السجع، وبلاغة الاقتباس والمبالغة، ويرتفع صدى ذلك الإيقاع الصوتي فيصل إلى ذروته في السجع باعتدال الفقرتين القصيرتين، وورود السجع على حرفين في قوله:"شيطان يهديه، وشيصبان يأتيه"وتعلو تلك النبرة لتصل إلى أن يأتي السجع على أربعة أحرف، وذلك حينما يعرض الكاتب للفكرة التي قامت عليها رسالة"التوابع والزوابع"، وهي شياطين النظم، في قوله:"تابعة، زابعة"وبين قوله:"تنجده، تؤيده"وبينهما جناس لاحق [1] في"تابعة، وزابعة"إذ جاء الاختلاف في الحرف الأول للكلمة، ونلحظ فيه قصر الفقرتين وهذا مما يوصف بأنه"أوعر مسلكًا من الطويل لأن المعنى إذا صيغ بألفاظ قصيرة عزَّ مواتاة السجع فيه، لقصر تلك الألفاظ، وضيق المجال في استجلابه، وأما الطويل فإن الألفاظ تطول فيه ويستجلب له السجع من حيث وليس" [2] ، وفي خاتمة النص، ولحظة الإقرار بالحكم"ليس هذا في قدرة الإنس ولا هذا النفس لهذه النفس"يأتي النغم السجعي هنا في غاية القوة بحيث يعلق بالأذان والنفوس، فهو يشير إلى براعة الكاتب وقدرته، فكان بين"النّفَس، والنّفْس"سجع قائم على جميع الحروف، وبينهما جناس محرف [3] ، وحين يجتمع الجناس والسجع فإن هذا مما يزيد من إحساسنا بالموسيقى والتوازن الصوتي فضلًا عن المجاز المرسل الذي يثري الفكر والتصوير، إذ أطلق النّفَس وأراد القول المصاحب له، مما أضفى على النص جمالًا آخر، وجاء معه النظم خالياَ من التكلف والتصنع فهو"لم يقد المعنى نحوى التجنيس والسجع، بل قاده المعنى إليهما وعثر به عليهما، حتى إنه لو رام تركهما إلى خلافهما مما لا تجنيس فيه ولا سجع لدخل من عقوق المعنى وإدخال الوحشة عليه في شبيه بما ينسب إليه المتكلف للتجنيس المستكره، والسجع النافر" [4] ."
(1) الجناس اللاحق هو أن تختلف الكلمتان في أحد الحروف ويكون الاختلاف غير متقارب المخارج، يُنظر الإيضاح في علوم البلاغة، ج6، ص: 96.
(2) المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، ج1، ص: 235.
(3) الجناس المحرف أن تختلف الفاصلتان في هيئات الحروف، يُنظر الإيضاح في علوم البلاغة، ج6، ص: 93.
(4) أسرار البلاغة، ص: 14.