الصفحة 143 من 232

وهذا الأسلوب البليغ لاستخدام السجع في الصياغة النثرية هو منهج فني يكاد يكون غالبًا على فصول رسالة"التوابع والزوابع"، ويظهر جليًا واضحًا في توابع الكتاب عندما يسهب الكاتب في طرحه النثري خاصة في مجال الوصف، كوصف البعوض، والحلوى، والماء وغيرها ... ، وهو أقل ظهورًا منه في توابع الشعراء، ونقاد الجن، وحيوان الجن.

فمما جاء في وصف الثعلب قوله:"وحتى تصِف ثعلبًا، فتقول: أدهى من عمرو [1] ، وأفتكُ من قاتِل ِ حُذَيفة َ بن بَدْر [2] ، كثيرُ الوقائع في المسلمين، مُغْرى بإراقةِ دماء المؤذ ِّنين [3] إذا رأى الفُرصة انتَهَزَها، وإذا طلَبتْه الكُماة ُ [4] أعجزَها؛ وهو مع ذلك بُقْراط ُ [5] في إدامِه [6] ، وجالينُوسُ [7] في اعتِدال طَعامِه، غداؤه حَمَامٌ أو دَجاج، وعَشاؤه تَدرُج [8] أو دُرَّاج [9] " [10] .

فقد وصف الكاتب الثعلب بصفات حسية تشير إلى عظيم القوة والإقدام، وحدة الذكاء في حسن التدبير، فهو أشد دهاء من عمرو بن العاص، وأفتك قوة من قاتل حذيفة بن بدر فارس فزارة، يبرهن على ذلك كثرة وقائعه في المسلمين، فهو مغرى بإراقة دماء المؤذنين فيهم"الديك"، وكأننا بالكاتب هنا يثير الشعور المنفر والكره والعداوة لذلك الخصم المتطفل، الذكي في استغلاله وتدبيره، فهو لا يفوت الفرصة حين تسنح، ولا يدركه الحارس اليقظ عند الفزع، وعلى كل ذلك الكد في البحث والإقدام والخبث، لا ينال من الصيد إلا ما يأكله ليشبع، ويقيم صلبه أن يقع، فكان أشبه ببقراط في إدامه وبجالينوس في اعتدال طعامه، إذ أن

(1) هو عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم القرشي، كنيته أبو عبدالله، كان من فرسان قريش، وأبطالهم في الجاهلية، ومن الدُهاة في أمور الدنيا المقدمين في الرأي، وفيات الأعيان، ج7، ص: 212.

(2) حذيفة بن بدر سيد بني فزارة، قتل في حرب داحس والغبراء، رسالة"التوابع والزوابع"، ص: 127.

(3) المؤذنين، جمع مؤذن، وهو الديك لأنه يؤذن في الصباح،"التوابع والزوابع"، ص: 127.

(4) الكماة هي: من كمى والكماة، وهو الذي كمى نفسه بالسلاح إي سترها، المعجم الوجيز مادة كما.

(5) بقراط هو أعظم طبيب يوناني، تعليق بطرس البستاني، على"رسالة التوابع والزوابع"، ص: 127

(6) الإدام الطعام يؤكل مع الخبز. المعجم الوجيز مادة أدم.

(7) جاليونوس طبيب يوناني قديم، اشتهر بالتشريح،"التوابع والزوابع"ص: 127.

(8) التدرج طائرا جميل المنظر. لسان العرب مادة درج.

(9) الدراج طائر جميل المنظر، المعجم الوجيز، مادة درج.

(10) رسالة التوابع والزوابع، ص: 127.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت