وفرة النشاط في الجسم والعقل والصحة التامة تكون في قلة الأكل، فغداؤه حمام أو دجاج، وعشاؤه تدرج أو دراج.
وما نلحظه في هذه القطعة انسجام الإيقاع الموسيقي المتتابع في خفة وحركة تتناسب ونشاط ذلك الثعلب، وحيويته المنطلقة، فبين"عمر، وبدر"سجع وفيها أيضًا الفقرة الثانية أطول من الأولى، وبين"مسلمين، ومؤذنين"سجع متوازي، وكذلك بين قوله"انتهزها، وأعجزها"، و"إدامه، وطعامه"، وكذلك بين"دجاج، ودراج"، ويزيد من تأثير هذا المعنى أن اللفظتين هنا بينهما جناس لاحق، فمما يلتفت إليه السمع هو التوازن الصوتي حيث تتساوى الفقرات وتعتدل في البناء والعرض، مما كان أطيب ورودًا على النفس وأشد تشويقًا للسمع وشدًا للانتباه تجاه ذلك الوصف.
يضارعه في هذا الأسلوب والعرض المبدع قوله يصف حال شخص نهم:"ورُفع له تمرُ النَّشا [1] ، غيرَ مَهْضُوم ِ الحَشا، فقال: مَهْيَم [2] ! من أينَ لكم جَنى نخلةِ مَريم؟ ما أنتم إلاَّ السُّحّار، وما جَزاؤكم إلاَّ السّيفُ والنّار. وهمَّ أن يأخذ َمنها. فأثْبَتَ في صدرهِ العَصا، فجلس القُرْفُصا، يُذري الدُّموع، ويُبدي الخُشُوع. وما منّا أحد إلاَّ عن الضَّحِك قد تجلّد. فرقّتْ له ضُلوعِي، وعلمتُ أنَّ الله فيه غيرُ مُضِيعِي. وقد تََجملُ الصَّدقة ُ على ذوي وَفْر، وفي كلِّ ذي كَبِدٍ رَطْبةٍ أجْر" [3] .
فالسجع المتتابع هنا يضفي نغمًا موسيقيًا يشيع جوًا من السخرية والمرح في السياق، فبين لفظتي"النشا، والحشا"، و"ميهم، ومريم"، و"العصا، والقرفصا"، و"الدموع، والخضوع"، و"ضلوعي، ومضيعي"، و"وفر، وأجر"سجع.
فالكاتب إذًا يصور حالة ذلك الشخص النهم، وقد تصدى لحلوى النشا، وطار بها كلفًا، فأتى بتلك الأوصاف، في سياق مترنم يثير السامع ويبعث في نفسه شعورًا بالطرب والمرح، بما يستخدمه من أسلوب سجعي متوالي بين
(1) تمر النشا نوع من أنواع الحلوى، لسان العرب، مادة نشا.
(2) ميهم اسم فعل للأمر ومعناه أخبرني، رسالة"التوابع والزوابع"، ص: 121.
(3) رسالة التوابع والزوابع، ص: 121.