الصفحة 145 من 232

الألفاظ والجمل، وما ضمنه من أوصافٍ هزلية، وصورٍ ساخرة، في عبارات قريبه سلسة خالية من التعقيد والتكلف، وهذا مما يشاد به في التناول البلاغي، ومطلب مهم من مطالب الإبداع الفني.

وإذا كان النغم الموسيقي في الأمثلة السابقة قد أكسب السياق جمالًا حسيًا ينسجم مع ما تعبر عنه من أوصاف وصور خياليه، وعقليه، بما فيه من تتابع وترادف صوتي ناجم عن توالي السجعات؛ فإن هذا الأسلوب لم يكن مسيطرًا بشكل تام في رسالة ابن شهيد، إذ يخبو ذلك الجمال الموسيقي قليلًا عندما يضعف تمثل الإيقاع الصوتي في النظم، بما يظهر من فصل بين الجمل المسجوعة بعبارات تصويرية قد تطول أحيانًا، أو لاختلاف الوزن بزيادة بعض الحروف أو نقصها، وهذا المستوى من الأداء السجعي القليل يظهر بارزًا في توابع الشعراء وحيوان الجن.

فمن ذلك قوله يصور بدء القصة، ودواعي الكشف عن أسباب جودة البيان يقول:"لله أبا بكر [1] ظَنٌ رَمَيتَه فأصْمَيْتَ [2] ، وحَدْسٌ أملتَه فما أشْوَيْتَ [3] ! أبدَيتَ بهما وجهَ الجَلِيّة، وكشَفتَ عن غُرَّةِ الحقيقة، حين لمحتَ صاحِبَك الذي تكسّبْتَه ورأيتَه قد أخَذ بأطْرافِ السّماء، فألّف بين قَمَريها، ونظَم فَرقَدَيها [4] " [5] .

فيجد أن ما يدور في خلد أبي بكر من ظن وتخمين ما هي إلا بوادر اكتشاف لحقيقة كمنت في نفس الكاتب، أثارها ظن، وحدس، أطلقه محدثه، فجسد ذلك الظن عندما استعار له"الإصماء"إذ شبهه بالسهم يرمي به فيصيب

(1) لم أجد ذكر لأبي بكر هذا فيما كتبه ابن شهيد، أو تناوله من شعر أو نثر غير الاسم هنا، فقد يكون أبو بكر هو الفقيه محمد بن حزم والذي كانت تربطه مع ابن شهيد صداقة حميمة كما ذكر ذلك ابن بسام في الذخيرة، وكما أشارت له قصائد شعرية توجه بها ابن شهيد لابن حزم مادحًا، ومتذكرًا، راجع ترجمته ص 81 من الدراسة، أو قد يكون راوي اتخذه ابن شهيد ليبدأ من خلال الحديث معه فصول رسالته التوابع والزوابع.

(2) من أصمى الصيد أي أصابه فوقع بين يديه، المعجم الوجيز، مادة أصمى.

(3) من أشوى إذا لم يصيب المقتل، المصباح المنير مادة شوى.

(4) القمرين الشمس والقمر، والفرقدين، من الفرقد هو نجم قريب من القطب الشمالي ثابت الموقع تقريبًا، المعجم الوجيز، مادة فرقد.

(5) رسالة التوابع والزوابع، ص: 87.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت