كذلك الظن فقد أطلقه أبو بكر فأصاب به عين الحقيقة، إذ اعتقد أن قدرة ابن شهيد على النظم فاقت قدرة أقرانه، وكأنما هي قوة مغيبة عن غيره من الناس والمبدعين، وهو تخمين اجتهد محدثه في تأمله وتفسيره فأتى به على الصواب، فاستعار له الإشواء"ما أشويت"استعارة مكنية تصور نباهة حدسه في الرمية التي لم تخطئ الصيد، وهذا تفسير أبي بكر لتلك القوى البيانية.
ذلك الظن والتخمين مفاده أن براعة ابن شهيد لها ما لها من الخصوصية التي يتفرد بها عن غيره من الأدباء.
وهذا أمر تكشفت عنه السياقات التالية، يقول:"أبديت بهما وجه الجلية وكشفت عن غرة الحقيقة"فبالظن والحدس كشف جلية البيان وآبان حقيقة الإبداع، ووجد صاحبه قد بلغ عنان سماء البراعة والبيان،"فألف بين قمريها ونظم فرقديها"وهذا دليل تفوق الخيال عند الكاتب فربما أراد بذكر القمرين، والفرقدين، قدرته على التأليف بين الفصاحة والبلاغة وبراعته في نظم الشعر والنثر على حد سواء، وذلك على سبيل الاستعارة التصريحية حيث شبه الفصاحة والبلاغة بالقمرين اللذين يؤلف بينهما ويجمعان في الكلام الحسن؛ ونظم الشعر والنثر بنظم الفرقدين، وبذلك يكون قد بلغ بفنه وأدبه بروج السماء وعلا على سائر الأنام، والقرناء. وهذه مبالغة طريفة أرضى بها ابن شهيد غروره، وتطلعه للمجد العربي واللغوي في البيان والفصاحة.
وفي نفس السياق لم يقتنع الكاتب بالصور البيانية المبدعة بل أضفى عليها ظلالًا موسيقية بما استخدمه من أسلوب سجعي جاء أقل وقعًا صوتيًا عنه في الأمثلة السابقة، فقد أتى بسجع ثنائي متوازي بين قوله:"رميته فأصميت وأملته فما أشويت"، وسجع فردي بين قوله:"الجلية، والحقيقة"ثم تطول الجملة الفاصلة فيخف الإيقاع الموسيقي مع التباين في السجعات ليعود فيظهر بين قوله:"قمريها، وفرقديها".