ومثله في ضعف الإحساس بإيقاع السجع الصوتي، وموسيقاه المترنحة في السياق قوله في هيبته عند مقابلة تابع المتنبي [1] :"فقال: اشْدُدْ لهُ حَيازِيمَك [2] ، وعطّرْ له نَسيِمَك، وانثُرعليْهِ نُجومَك." [3] .
إن من ينظر في النص لأول وهلة يجد أن السجعات فيه قد تتابعت وترادفت فأشاعت جوًا موسيقيًا متناغمًا، إلا أنه إيقاع لا يستحسنه السمع، ولا تطرب له الأذن، فعند النطق بالعبارة، نجد اللفظ يطول عند الكلمة في نهاية الجملة الأولى"أشدد له حيازيمك"ويقصر عند الكلمة في نهاية الجملة الثانية"عطر له نسيمك"وذلك لاختلاف الوزن البنائي بين"حيازيمك"وهي على سبعة أحرف و"نسيمك"وهي على خمسة أحرف، على الرغم من تساوي الفقرات في عدد الكلمات، مما كان سببًا في ركاكة الترنم الموسيقي بعض الشيء في الصياغة.
وعلى حرص ابن شهيد في أن يكون نظمه النثري يضاهي في أسلوبه أسلوب المقامات، ويتحرى فيه النغم الموسيقي والصوتي بين الكلمات والجمل، بما يضمن شد الانتباه وإثارة الإعجاب؛ إلا أننا نجد من بين ثنايا رسالته عبارات مسجوعة لا نشعر فيها بالإيقاع المتناغم للسجع، كقوله:"فأُرتِجَ عليَّ القولُ وأُفحمْتُ، فإذا أنا بفارسٍ ببابِ المجلِس على فَرَسٍ أدْهَمَ، كما بَقَل وجهُه [4] ، قد اتّكَأ على رُمحِه" [5] .
ففي حالة لقائه بتابعه زهير بن نمير وهو من أشجع الجن، وجده فارسًا نشطًا على فرس من أجود الخيول"دهماء"، وقد اتكأ على رمحه في ثقة وزهو بقدرته الفنية وأبدى له المساعدة والعون في النظم والقول.
فالسجع الذي يظهر هنا بين لفظيتي"وجهُه، رمحِه"هو من السجع القلق في إيقاعه وترنمه، إذ أتى فيه بضمير الغائب"الهاء"تابعًا لما قبله في الحركة ويتضح الاختلاف بين"وجهُه، رمحِه"في الموقع والضبط مما فات معه سبل
(1) (*) سبقت ترجمته ص: 115.
(2) الحيزوم الصدر أو وسطه، الجمع حيازم ويقال أشدد للأمر حيازيمك استعد له، المعجم الوجيز مادة حزم.
(3) رسالة التوابع والزوابع، ص: 111.
(4) بقل وجهه من بقل وجه الغلام نبت شعره، المرجع السابق، مادة بقل.
(5) رسالة التوابع والزوابع، ص: 89.