الصفحة 161 من 232

وعلى ضوء ما سبق عرضه نجد أن لون الجناس عند ابن شهيد في رسالته"التوابع والزوابع"يمثل ظاهرة متميزة في ثنايا نصوصها وفصولها، على الرغم من أنه لم يسرف في استخدامه، ولم يكد المعنى ويرهقه في طلب المجانسة بين الألفاظ، وإن تصنع في بعض منه إلا أنها ترقى في جمالها حتى تقترب من الأسلوب الفطري في التعبير، وهذا من الأسرار البلاغية فيه، فما"يعطي التجنيس من الفضيلة، أمر لم يتم إلا بنصرة المعنى، إذ لو كان باللفظ وحده لما كان فيه إلا مستحسن، ولما وجد فيه معيب مستهجن. ولذلك ذمَّ الاستكثار منه والولوع به."

وذلك أن المعاني لا تدين في كل موضع لما يجذبها التجنيس إليه، إذ الألفاظ خدم المعاني والمُصرَّفة في حكمها، فمن نصر اللفظ على المعنى كان كمن أزال الشيء عن جهته، وأحاله عن طبيعته، وذلك مظنة الاستكراه، وفيه فتح أبواب العيب، والتعرض للشين" [1] ."

وابن شهيد يوظف الجناس كأداة جذب تنقل أغراضه، وتعبر عن أفكاره، فهو يُضمن صياغاته معاني جوهرية، تبين عن قدرته الأدبية، ونباهته العقلية في أسلوب صريح، وموسيقي متناغم يجذب الأسماع إليه، ويحرك الأذهان لسبر أغواره وإدراك دقائقه، وهو فن يغلب على مدخل الرسالة، حيث يضع الكاتب الخطوط الرئيسة لرحلته الاحتجاجية، ويصف قدرته، وصدق موهبته الفنية، والبلاغية والفخرية؛ وفي توابع الكتاب، إذ تظهر براعة ابن شهيد في النسج النثري والتأليف الأدبي؛ وكأنه بذلك إنما يدلل على براعته النثرية، وتفوقه التحبيري في عرض الوصف ودقة التعبير؛ وفي سياقات أخر من الرسالة يظهر الجناس بمعان جديدة ومختلفة وإن كانت أقل اتساعًا، ودورانًا منها في نصوص الفخر الصريح أو الوصف الذي يبين عن معالم التفوق النثري في أدبه، وذلك حيث تعبر ألفاظه عن آرائه الشخصية، ومواقفه الانفعالية الناقمة على حساده، ومنتقدي أدبه من أبناء عصره، فهو يذكّرهم بالصحبة، ويجادلهم في أساس التفوق الأدبي ومعيار الحكم فيه.

(1) أسرار البلاغة، ص: 8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت