لابن الإفليلي، فعمد إلى ما يصدقه العقل، ويقع في العادة، وتقبله النفس من أقصى حدود يصل إليه وصف الهيئات والأحوال.
وتلك الأساليب من المستوى الرفيع للمبالغة تمثل قاعدة عريضة استند ابن شهيد إلى صياغاتها في ثنايا رسالة"التوابع والزوابع"، وهو فيها يصدر عن عاطفة نفسية وانفعالية، جياشة أسهمت في تكون نظرته، ومواقفه التي تمثلت في كلامه وما ينظم، فكان أسلوب المبالغة هو وسيلته في"الكشف عن طبيعة الشعور، والقدرة على التأثير في المخاطبين، ومحاولة إشراكهم لحظات الإحساس، فضلًا عن كونها زفرة لما تعتمل به النفس لأن النفس الإنسانية تمل الواقع إذا لاصق وتميل إلى ما يحلق بها" [1] والتي تآزرت مع متانة الصياغة، وجودة التعبير ودقة التصوير، في عرض المعنى وبيان الغرض.
وفي جانب آخر من الرسالة تضعف القيمة الفنية للمبالغة ولا تنعدم، حين تصدر عن حقيقة عقلية، ولا تنبعث عن العواطف الذاتية، وتتجرد من الأحاسيس والمواقف الشخصية، لتكون وصفًا حسيًا خالصًا لحالة من الأحوال المحسوسة، على الرغم من اعتمادها على الخيال في الوصف، ولذلك فهي مستوىً ثانٍ للمبالغة أقل تأثيرًا وابسط تركيبًا في الرسالة، منها قوله يصف حالة تابع أبي نواس [2] ، - وقد أراد أن يحكِّمهُ فيما ينظم -، والذي غلبت عليه الخمرة، وفساد الرأي؛ وذلك على لسان فتية يقدمون له الراح:"قالوا: إِنّه لفي شُربْ الخمرة، منذ ُ أيّام عشرة، وما نُراكم منتفعين به ِ" [3] .
فالصبية في حضرة أبي نواس تنفي عنه تمام عقل البيان، وخوار القدرة على النقد والحكم، في أسلوب كنائي تجلى في قولهم"وما نراكم منتفعين به"وهو أمر تمخضت عنه حالته في المداومة على شرب الخمر والإسراف في تعاطيه، وهي حال بالغ في وصفها الكاتب بقوله"منذ أيام عشرة"فلم تعد له مع تلك المداومة أدنى حس بياني، أو قدرة نقدية وتذوقية متوازنة.
(1) من وجوه تحسين الأساليب في ضوء بديع القرآن، أ. د. محمد إبراهيم شادي، مطبعة السعادة، 1408هـ، 1987م، ج1، ص: 91.
(2) (*) سبقت ترجمته ص: 115.
(3) رسالة التوابع والزوابع، ص: 105.