الصفحة 193 من 232

وبرع الكاتب عندما استخدم أسلوب التبليغ في سياق المبالغة هنا، فهو وإن بلغ بالوصف إلى أقصى غايات المعنى في التصور النفسي والعقلي، إلا أنه لا يجانب في أصل المعنى الحقيقة الثابتة عن واقع حياة أبي نواس الصادق.

مما أكسب الصياغة تأثيرًا فنيًا، وانطباعًا نفسيًا مدرك، إضافة إلى ما بعثه الكاتب في ألفاظها من تناغم موسيقي استخدام فيه السجع المتوازي بين قوله"خمرة، وعشرة".

ويندرج تحت هذا المستوى القريب من المبالغة، قوله يصف سرعة زهير بن نمير في رحلته إلى أرض الجنِّ وقد صحبه معه:"تذاكرتُ يومًا مع زُهير بنِ نمَُيرٍ أخبارَ الخُطباء والشُّعَراء، وما كان يألَفُهُم من التّوابع والزَّوابع، وقلتُ: هل حيلة ٌ في لِقاء من اتّفَقَ منهم؟، قال: حتى أستأذِنَ شيخَنا. وطار عنّي ثم انصرَفَ كلمْح ٍ بالبَصَر، وقد أُذِن له، فقال: حُلَّ على مَتن ِالجَوادِ. فصرنا عليه وصار بنا كالطائر يجَتْابُ الجوَّ فالجوَّ، ويقطَعُ الدَّوَّ فالدَّوَّ [1] ، حتى التَمَحْتُ أرضًا لا كأرضِنا، وشارَفتُ [2] جَوًّا لا كجَوّنا متفَرّع َ الشجَر، عَطِرَ الزَّهَر" [3] .

فأخبار الخطباء والشعراء، نبهت ابن شهيد إلى قمم الإبداع الفني، ومظاهر البلاغة الأدبية في الكلام، فأثارت في نفسه، ومخيلته الشوق إلى الالتقاء بتوابعهم، ومجاذبة ملهميهم النظم والتأليف، ليصل من خلالهم إلى غرضه في إثبات تفوقه الفني في الأدب، ويخمد بآرائهم النقدية وشهادتهم الفخرية ثورة منتقدي أدبه والناقمين عليه موهبة الإبداع وبلاغة الكلام، فلذلك نجده يبالغ في تصوير سرعة الوصول إليهم والحديث معهم، فقال:"وطار عنّي ثم انصرَفَ كلمْحٍ بالبَصَر".

فقد استعار الطيران لسرعة حركته في طلب الإذن بالدخول والوصول إلى خفايا ذلك العالم الغيبي، استعارة تصريحية تعكس انسجام الأوصاف للموصوف،

(1) الدو الفلاة الواسعة والمستوي من الأرض، المعجم الوجيز مادة دويت.

(2) شارفته دنا منه، المصدر السابق مادة شرف.

(3) رسالة التوابع والزوابع، ص: 91.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت