الصفحة 194 من 232

وهو زهير التابع الجني المعروف بالخفة، ثم شبه انصراف زهير إليه وما في ذلك الانصراف من مظاهر الشعور بالفرح الغامر بلمح البصر، مبالغة في وصف سرعته وقوة انطلاقته في سعادة وفرح لتلك الأرض الغريبة، والمثيرة، وهي مبالغة وإن حسُنت في بيان الحال وأتت على دقيق الوصف والتصوير إلا أنها من الصياغات الخيالية الدائرة كثيرًا فيما يذكر من الكلام، حتى كانت قريبة في معناها ومغزاها من الحقيقية في الوصف.

ومن بديع الأسلوب في نسقها أنها تعتبر بداية الرسالة والكاتب إنما يسعى لأن يقترب بتراكيبه من الواقع، ليكون أشد تأثيرًا وأيسر في القبول لدى النفس عند حديثه عن تلك الرحلة خاصة وأنه ينسجه من عالم خيالي مغيب، يختلف في حقيقته وتأثيره عما ألفه الناس، وما نسجه خيالهم حوله من تصور مخيف، فقد استفهم متشككًا في صدق تحقق ذلك اللقاء، ومثل هيئة الانتظار متحيرًا من صحة وقوعه"هل حيلة ٌ في لِقاء من اتّفَقَ منهم؟ قال: حتى أستأذِنَ شيخَنا. وطار عنّي ثم انصرَفَ كلمْحٍ بالبَصَر، وقد أُذِن له"، ثم في الوصف المبالغ في بيان تميزه واختلافه عن عالم الإنس الذي يعيش فيه"حتى التَمَحْتُ أرضًا لا كأرضِنا، وشارَفتُ جَوًّا لا كجَوّنا متفَرّعَ الشجَر، عَطِرَ الزَّهَر".

وهذا المستوى من المبالغات القريبة، والشائعة عند ابن شهيد لا يعتبر ظاهرة بارزة في رسالته قياسًا بالمستوى الأول.

وأقل منه أن تخلو صياغات المبالغة من تمام آلة الجمال في التعبير اللفظي للقول، وأن تنحو منحى الابتذال، وإن أشارت إلى المراد بدقة، وبلغت بالتصور إلى أقصى غايات الغرض من الوصف، إلا أنها أدرجت في سياق لفظي كان سببًا في إضعاف قيمتها المعنوية والبلاغية، مما جعلها تأتي في المستوى الثالث والأدنى صورة من أساليب المبالغة عند الكاتب، فيقول ردًا على تابع ابن الإفليلي [1] ، وقد احتج عليه بقصور علمه في النحو، وقلة إدراكه لغريب اللغة:"قال: فطارِحْني"

(1) (*) سبقت ترجمته، ص: 141.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت