الصفحة 196 من 232

صياغة تحمل من معاني الامتهان للكتب والعلم، ما تنفر منه النفس، وتشمئز من تخيله الأفهام، مما أفقد النص بسببه مظاهر رونقه، وجماله البلاغي، وتمام فصاحته اللفظية والمعنوية.

ولعل مما يعذر لابن شهيد في قبول هذه الصياغة أنه أسلوب قلما يظهر إلا نادرًا في رسالته"التوابع والزوابع"، وأنه إنما يعكس واقع مهمًا من شخصيته الذاتية وطبيعة تفكيره في مرحلة ما من مراحل حياته مما يشير إلى أن ما يكتبه في نصوصه صادرًا من طبعه وأنه ينسج من سجيته دون تكلف أو تصنع ممقوت.

نصل من ذلك إلى أن المبالغة وسيلة قوليه يعبر من خلالها الكاتب أو الشاعر عن موقف انفعالي، أو فكر عقلي، أخذ في نفسه صورة متميزة، ومعنى متغاير، أراد أن ينقله كما يحسه، ويتخيله بكل ما فيه من انفعال، وتفاعل للسامع أو القارئ.

وهي فن من البديع المعنوي في التأليف، ارتكز عليه ابن شهيد الأندلسي في رسالته"التوابع والزوابع"، فظهر أثره باديًا في اختياره لموضوع الرسالة وغرضها، ثم في عالمها، وأرضيتها، ثم في فصولها ومضامينها، فكانت أقدر قولًا وصورة في التعبير عن مراد الكاتب، وأسرع في تمثل ما يسعى إليه من معان حقيقية، أو تخيلية يثبت من خلالها أمرًا واقعًا في نفسه.

ومن خلال النظر في صورها، وصياغاتها، تعد في أثرها الفني، وقيمتها التعبيرية في النصوص من المستوى الراقي من مستويات الأداء البديعي، بعد السجع والموازنة؛ فالكاتب اتخذها في تعبيراته وسيلة فنية ومعنوية مؤثرة، وبليغة، تعينه في إثبات أصالة موهبته، وتمكنه من التعبير عن انفعالاته، وتبين عن حدود تفوقه الأدبي، وبراعته في البيان والفصاحة. فتعتبر لذلك ركيزة أساسية في نسج الإبداع الفني في مضمون الرسالة وأهدافها، إذ تدور في إطارها معاني أحداثها، وفي أسلوبها تتجلى أحاسيس الكاتب ومواقفه الفكرية، والذاتية، من مدح، وهجاء، وتنديد، ووصف؛ وهي في جميع ذلك تؤمي إلى غرض ذاتي ثابت، ومتكرر في جميع التراكيب، تجيش به نفس أبي عامر، وتحاول جاهدة تأكيده، وإقناع القارئ به، مفاده الفخر التام بالقدرة التعبيرية، والتفوق الفني، في كبرياء أدبي، وشهادة موثوقة، متأصلة ومعروفة في عمق الأدب العربي، وحجة دامغة؛ تحمل اليقين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت