الصفحة 197 من 232

الثابت بوجود الطبع السمح في الأدب والنباهة الفطرية على بديع النظم وجميل التحبير.

فهي على ذلك تظهر واضحة في الفخر الصريح، كما تظهر في أوصاف التوابع، فتشير إلى معنى الفخر الضمني، إذ يتبع ذلك الوصف شهادة بالتفوق الذاتي على لسان التابع تعلي من قيمتها تلك الأوصاف، وترضي بها غرور الكاتب البلاغي، كقوله في وصف تابع المتنبي.

وحيث يعرض ابن شهيد في مبالغاته لغرض نفسي خاص، وذاتي، وبقدر ما يطلب من السامع التصديق ببراعته الأدبية، والاقتناع بموهبته الفنية الفائقة، التي سيطرت رغبة إثباتها على جميع تفاصيل القصة؛ فقد كانت جلُّ مبالغاته في هذا السياق من قبيل التبليغ الذي يقترب في تخيله وصورته من حدود إطار منظور العقل، وتقبله النفس ويجري منها في حقيقته وأصله على الطبع والعادة، مع الوصول بالوصف فيه إلى أقصى غايات ما يدركه الفهم، وأعمق مضامين ما تستشعره النفس.

وقد يخرج عن هذه القاعدة في نوع المبالغة، أسلوب يعمد الكاتب فيه للغلو في الوصف، ويكون مع ذلك مقبولًا حيث يقصد به التعبير عن كوامن النفس.

ولعل من المبالغات المميزة في رسالة"التوابع والزوابع"أن ابن شهيد أنطق الحيوان شاهدًا على تفوقه الأدبي، وبالغ في هجاء نقاد عصره فتمثل هيئته صفة دالة على أحوالهم، وقدراتهم، ثم عكس لهم صورة هزلية تحمل معنى الحمق والنعت بالغباء كقوله في صف حال الإوزة النحوية بعد أن جادلها في الأدب، وأسس الجمال في صياغاته [1] .

وهي على ذلك أسلوب بلاغي تنوعت مستويات أدائه في النص التعبيري بين العالي المؤثر، والقريب المتداول، والمبتذل المنفر الخالي من الفصاحة والبيان في العرض، لتعكس تباين مستويات القدرة البيانية عند الكاتب، وتمايز الأغراض الفنية والشخصية فيما يأتي به من تأليف، والمتأثرة بالأحوال النفسية والتجارب الذاتية، والمواقف الخاصة لديه، فكانت تجمع في أساليبها بين الغاية الفنية في إثبات التفوق

(1) راجع ص: 155 من الدراسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت