آراء النقاد المشارقة بل إنه خاض في أكثر المواضيع التي تكلموا فيها" [1] . ومنها قضية الحدّ البلاغي عند استخدام البديع في التعبير، نراه يسير في ركب ابن المعتز في قوله:"ثم إن حبيب بن أوس الطائي من بعدهم شغف به حتى غلب عليه وتفرّع فيه، وأكثر منه فأحسن في بعض ذلك وأساء في بعض وتلك عقبى الإفراط وثمرة الإسراف، وإنما كان يقول الشاعر من هذا الفنّ البيت والبيتين في القصيدة، وربما قُرئت من شعر أحدهم قصائد من غير أن يوجد فيها بيت بديع وكان يستحسن ذلك منهم" [2] ؛ وينهج منهج العسكري في الصناعتين حيث يقرر أن:"هذا النوع من الكلام إذا سلم من التكلف، وبرئ من العيوب، كان غاية الحسن، ونهاية الجودة" [3] ."
فمما أثر عنه قوله:"وكذلك الشعراء انتقلوا عن العادة في الصنعة بانتقال الزمان، وطلب كلِّ عصر ما يجوز فيه، وتهشُّ له قلوب أهله، فكان من صريع الغواني، وبشار وأبي نواس وأصحابهم في البديع ما كان، من استعمال أفانينه، والزيادة في تفريع فنونه. ثم جاء أبو تمام فأسرف في التجنيس، وخرج عن العادة، وطاب ذلك منه، وامتثله الناس، فكل شعر لا يكون اليوم تجنيسًا أو ما يشابهه تمجه الآذان، والتوسط في الأمر أعدل؛ ولذلك فضل أهل البصرة صريع الغواني على أبي تمام، لأنه لبس ديباجة المحدثين على لأمة العرب فتركب له من الحسن بينهما ما تركب" [4] ، فانتقال الزمان في رأيه وتنوع الثقافات، عامل مهم في تغير أحكام الصنعة، ومعيار متجدد من معايير البيان والفصاحة.
فالبديع كفنِّ بلاغي، كان له حظوة متميزة في عصر ما من العصور، وكان الإكثار منه مطلب العديد من المبدعين، وإن كان يعتقد أن"التوسط في الأمر أعدل"، ومجانبة الإكثار من التجنيس، والتكلف في البديع أمثل في بلاغة التركيب، وجمال التعبير؛ غير أن لظروف العصر تأثيرًا، ولمطالب النفوس سطوة في التغيير.
(1) ابن شهيد الأندلسي، وجهوده في النقد الأدبي، ص: 136.
(2) كتاب البديع لعبدالله بن المعتز، أعتنى بنشره وتعليق الفهارس اغناطيوس كراتشقوفسكى عضو اكاديمية العلوم، في لينينغراد، ص: 1
(3) كتاب الصناعتين الكتابة والشعر، ص: 267.
(4) الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، ق1، م1، ص: 237. والأمة هي: أداة الحرب كلّها من رمح، وبيضة، وسيف، ودرع، يُنظر المعجم الوجيز مادة لأم.