ولعل ذلك الاعتقاد السائد في نفس ابن شهيد تجاه أسس البديع الجمالية في الكلام، والقاضي بالتوسط في أمر استخدامه، وأن ذلك فيه أعدل للصنعة الأدبية البديعة، وأتم أساليب بيانها وبلاغتها، هو الذي دفعه لأن يعلل ويعتذر عن إفراطه في استخدام البديع في جلِّ رسائله النثرية،"ويبدو أن أوائل كتاب القرن الخامس، ممن استعملوا الأسجاع استعمالًا واسعًا، كانوا يشعرون بشيء من تأنيب الضمير، إن صح التعبير، وكأنه عندهم بدعة اتبعوها، فهم إذا ذكروها اعتذروا عنها، أو خففوا من وقعها بذكر موجباتها" [1] . ويتمثل موقف ابن شهيد ذلك فيما ساقه من حوار بينه وبين تابع عبد الحميد، وفيه يرد على انتقاده له بأنه مغرىً بالسجع، يقول في حوراه مع تابعي الجاحظ، وعبد الحميد [2] :"فقال: إنك لخطيب، وحائِكٌ للكلام مُجِيد، لولا أنّك مُغْرًى بالسّجع، فكلامُك نظمٌ لا نَثر."
قلت في نفسي: قرعَكَ، باللهِ، بقارعَتهِ، وجاءك بمُماثَلَته، ثم قلت له: ليسَ هذا، أعزَّك الله، منّي جَهلًا بأمرِ السّجع، وما في المماثَلة والمقابَلةِ من فَضْل، ولكنّي عدِمتُ ببلَدي فُرْسانَ الكلام، ودُهيتُ بغباوةِ أهل الزمان، وبالحَرَا [3] أن أحرِّكَهم بالازدواج. ولو فرَشتُ للكلامِ فيهم طَولقًا [4] ، وتحركت لهم حركة مَشُوْ لم [5] ، لكان أرفعَ لي عندَهم، وأولجَ في نفوسِهم" [6] ."
فأبو عامر هنا يتكلم عن سعة علم، وطول باع في البلاغة والأدب، وحسن التأليف، فهو لا يجهل أمر البديع المؤثر في الكلام، وقيمته المعنوية في النسق، بشرط سماحته، واعتداله في التركيب، أما وإن كان مصنوعًا، ومطلبًا في الكلام، فإنه ولابد لذلك الأسلوب من غرض في نفس المبدع، ودافعًا في انتهاجه أسلوبًا في الكلام، وهو في رسالته إنما يخضع لأمر الزمان، ويجاري عقول أبنائه، وأفهامهم.
(1) النثر الأدبي الأندلسي في القرن الخامس"مضامينه وأشكاله"، ج2، ص: 655.
(2) (*) سبقت ترجمتهما، ص: 109 من الدراسة.
(3) الحرا، والحري الخليق كقولك بالحرى أن يكون ذلك، وإنه لحري بكذ، وحر، وحري لسان العرب مادة حرا.
(4) الطولق نبات يتميز بتمدده في الأرض، المصدر السابق مادة: طلق.
(5) مشلوم، لعله مشولين كمسوقين، أي فتيان، واحده مشول كمقعد، وهو اصطلاح مغربي، أو لعله شولم، إشارة إلى الرقية التي خدع الغني بها اللصوص في كليلة ودمنة، يُنظر رسالة التوابع والزوابع، ص: 116.
(6) رسالة التوابع والزوابع، ص: 116.