وفي جانب آخر من الرسالة نفسها يتجلى موقفه من البديع واضحًا صريحًا، وذلك في حديثه مع تابع أبي تمام، وأن أسلوبه البديعي المتصنع جعله يتوارى عن خجل من دعوى التحسن باسم الشعر، وهو لا يحسن نسجه على أسس فنية، وطبعيه دون تكلف، فيقول:"فقلتً: وما الذي أسكنكَ قَعْرَ هذه العَين يا عتّاب؟ قال: حَيائي من التّحَسُّنِ بِاسمِ الشِّعْرِ وأنا لا أُحسِنُه" [1] .
وذلك الموقف لابن شهيد، والرأي يشير إلى ثقافة عقلية خاصة، وحالة نفسية ناقمة ومتحسرة، شكلتها طبيعة الحياة الأندلسية بظروفها المضطربة، وأوضاعها المتردية بسبب توالي الحروب والفتن الضاربة في أرجائها، في مقابل اللهو المسرف، والحضارة الشاملة لجميع نواحي الحياة، فكان ذلك في رأيه من أهم الأسباب التي أدت إلى تأخر النباهة الأدبية، وضعف الحدس التذوقي الناقد لأسلوب النص الأدبي الرفيع، والتمييز بين جيد الكلام ورديئة، فالتمس من خلال العصر وأوضاعه لنفسه العذر، وعلل بذلك لصنعته البديعية في التعبير، فكأن الإفراط في السجع، والتكلف في استخدام البديع، على ما له من صنعة نابية في الكلام، ومنافية لسلامة الطبع الأدبي الراقي، يمثل المحرك العقلي، والنفسي، المؤثر في قوم كانت بيئتهم تجمع بين سعادة الاستقرار، وشتات الاضطراب، والتي صرفت العقول عن العلم، وشغلت بأحداثها القلوب عن الفهم والتأثر، فوجد ابن شهيد أن البديع بفنونه، وما يثيره من موسيقى النص، وسيلة مؤثرة في استقطاب العقول والأفئدة.
ويرى الدكتور عبد الواحد أن ابن شهيد"يلتزم السجع مع أنه في رأيه ليس بالنضج الفني الذي يرتضي، ربما لأنه على المستوى الفني، لا يحقق نثرية النثر وتميزه عن الشعر، وعلى المستوى الاجتماعي، ربما كان السجع يليق بمرحلة من الحضارة أقل تقدمًا، لأنه منسوب - على مستوى الفكر العربي - إلى الكهان، يسهم بإيقاعاته في إثارة الجو الأسطوري، وكأن أهل الأندلس في وقته في مرحلة حضارية تماثل الجاهلية كابتداء للسير الحضاري، ومع ذلك فقد أضطر ابن شهيد إلى السجع ليوائم معاصريه، مع أنه يكره طريقتهم ويميل إلى غيرها مما يشيع لدى المشارقة" [2] .
(1) المرجع السابق، ص: 98.
(2) دراسات في النقد الأدبي عند العرب في المغرب والأندلس، ص: 363.