وفي أثناء ذلك الطرح تملكتني رهبة التقصير والزلل، خاصة وأن أدبه يعتبر في مجمله وحقيقته عمق فكري، ونفسي لشخصية تحس بالفخر في ذاتها ونسبها، ورزقت الموهبة والقدرة البارعة على النظم، والتأليف، فأصقلتها بالدربة، والمران على نتاج أدب المشرق، والمغرب، القديم والحديث، وهي مع ذلك لا تنفصل عن بيئتها، ولا تنظم بعيدًا عن أحداثها وظروفها السياسية، والاجتماعية، والثقافية، فجاء أدبه مزيجًا من القديم، والحديث، الشرقي، والأندلسي، في الصياغة، والصور، والخيالات، والمعاني والأفكار، والألفاظ، والتراكيب، فآليت على نفسي قبل خوض غمار هذا البحث بالدراسة، الإلمام بحياته، وظروفها، فعشت مع ابن شهيد أيامًا، بل أشهر عدة تعرفت فيها على شخصيته، وطابعها النفسي، والفكري، ورغباته الذاتية، والاجتماعية، والسياسية، منذ الطفولة، إلى أن بلغ من العمر عتيا، مرورًا بشبابه، وفتوته، وسبرت أغوار فكره، وأحطت بمدى ثقافته الأدبية، والعلمية.
ففرغت آنذاك إلى البحث في بعض الدراسات القديمة والحديثة التي كان لها مع ابن شهيد وقفة، وتحصيل أدبي، أو نقدي، أو تاريخي؛ بالقراءة، والمراجعة حتى تكونت لدي خلفية أدبية، وأسلوبية، وتشكل في نفسي انطباعٌ خاصٌ عن شخصية ابن شهيد العامة والخاصة، فانطلقت منها في مجالات الدراسة، التي قاسمني في فصولها الجهد، والمشقة في الحكم، والنقد، لنتاج أديب لا يفتأ من أن يفخر قولًا، وتعبيرًا بقدرته على الأدب، وبراعته في النظم، وامتداد باعه في قضايا النقد، وينظم متصنعًا ومهذبًا، كما يبدع مطبوعًا، وموهوبًا، وقفت من أدبه على طرفي نقيض، فأحيانًا أجدني مع شاعر وناثر، أبدع في اختيار لغته، وتراكيبه، وخياله، فأتى أدبه متناسبًا مع فكره، وتجاربه على اختلافها، واضحًا في غاياته، يشف كلامه عما في نفسه، ويحكي جمال الصياغة عن موهبة متميزة، وأحايين كثيرة تستغلق على قدرتي المبتدئة في الفهم، والتفسير فأقف معه طويلًا لأكشف عن غوامض أدبه، وخبايا نظمه، وتراكيبه، ومعانيه، يساندني في ذلك نصح أستاذي المشرف، وتوجيهاته، على فهم النص، والتعمق في تفاصيل تركيبه، وإبداعه البلاغي.
وقد استعنت في ذلك بمن كتب عن ابن شهيد، وتناول أدبه، وفي مقدمتها كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة لابن بسام الشنتريني، وهو كتاب حوى جانبًا كبيرًا من أدب ابن شهيد الشعري والنثري والنقدي، وعرض لأوصاف حسية ومعنوية