على رسالة"التوابع والزوابع"، وهي الرسالة التي نقل عنها صاحب الذخيرة نصوصًا كثيرة، كما تمثل درة التعبير النثري عند ابن شهيد، ولما كانت الرسالة تميل في صياغة أسلوبها إلى استخدام الصبغ البديعي، على طريقة المقامات، فقد بحثت فيها عن مستويات الأداء البديعي، وقسمتها إلى مستويات عدة من حيث الجودة في الأداء، والتناسب الفني، والموسيقي المنسجم مع أغراض الكاتب الخاصة، وغاياته في الرسالة، وقيمتها البلاغية من حيث الإبداع والتميز.
ولما علمته من أنني إنما أتصدى في دراستي هذه لأديب جمع في شخصيته بين متناقضات الحياة من فرح، وحزن، وأسى، وبؤس، ونعيم، وشقاء، ولهو، وطموح، ويأس، يحذوه في جميع ذلك كبرياء أدبي، وموهبة فذة، وحس نقدي، وتعليمي عالٍ، وأنه أديب جعل من أدبه بريد نفسه، وعقله، فقد حرصت على أن أقرأ أدبه بصورة بلاغية مختلفة، أبحث فيها عن أثر تلك الشخصية المتقلبة في ظروفها، وأحوالها، وأستجلي كوامن هذه القدرة البلاغية، والأدبية، والفنية المبدعة في التصوير، والتخييل، والبناء الفني، ونسق التركيب الأسلوبي، المتميز في عصره، وفي الأدب العربي عامة، قراءة ترتكز في أساسها على التحليل الذاتي، والوصفي لصور الأداء البلاغي عنده، وقد وجدت أني أسير مع الأداء البلاغي في سياق التعبير الأدبي عند ابن شهيد في مستوى متفاوت، ومختلف ما بين فنِّ بلاغي وفن، وما بين غرض شعري وغرض، وبين فصل نثري وفصل، فهو يعلو ويرتقي ليبلغ من الإبداع المعنوي، والجمال الفني في الصياغة البلاغية، ما تقف عنده النفس معجبة، ومرددة النظر والتدقيق في محاولة للكشف عن السرِّ في ذلك الإبداع، والميزة في ذلك التعبير؛ وتهبط تارة أخرى وتردى فتكون كهفوات العالم، وسقطات العاقل، مما يطوى عنه الذكر صفحًا، ويجد فيه القارئ فتور النفس، وتأخر الطبع، وتارة أخرى يكون ذلك المستوى في الأداء البلاغي متوسطًا، مقبولًا في عرض المعنى، وتصوير الغرض، غير أنه لا يكون من النمط العالي، والسمت الخاص، وفي هذا الإطار حرصت على التدقيق والتأمل، في محاولة تحديد تلك الفرو قات البسيطة التي تظهر بين هذه المستويات.
وبناء على أن كلّ قارئ، ومستمع لأساليب الإبداع الأدبي ناقد يصدر في مواقفه تلك عن رؤى ذاتية، وتكوينات نفسية، وفكرية، وثقافية خاصة، فقد اعتمدت