الصفحة 57 من 60

تعني بالضرورة تأمينه حال الاستعانة به، والأمان - كما هو معلوم - يُحرِّم الدم والمال، والمرتد لا يجوز تأمينه ولا يقع موقعه إن حصل، لأن حده القتل تعيينًا والأمان يناقض ذلك.

ومع القول بأن هذا هو الحكم الأصلي المقطوع به في حقهم إلا أني لا أجزم بعدم جواز الاستعانة بالمرتدين في هذا العصر الذي صارت لهم فيه الصولة والجولة والدولة، وبسطوا أيديهم على أغلب بلاد المسلمين وصار التعامل معهم والاحتكاك بهم لا يكاد ينفك عنه أحد، ولكن للضرورات أحكامها وهي تقدر بقدرها والله تعالى أعلم.

وربما كان عدم تطرق الفقهاء الأوائل لمسألة الاستعانة بالمرتدين في القتال سببه أن الدولة والسلطان كانت للمسلمين، وغالبا ما تكون طوائف الردة وجماعاتهم محصورة داخل دولة الإسلام تحيط بهم جيوشها وتطوقهم جنودها، فأية حاجة تدعوا إلى الاستعانة بأمثالهم؟ كما قال الشيخ محماس جلعود: [ولم يتطرق الفقهاء إلى معاملة المرتدين في جوانب كثيرة، مثل الاستعانة بهم أو مصاحبتهم، أو صلتهم، أو التعامل معهم، لأنه أساسًا كان يجب أن لا يعيش بين المسلمين مرتد، فإما الإسلام، وإما الموت، ولذلك لا نستطيع أن نوجد صيغة في التعامل مع أناس كان يجب أن لا يعيشوا بدار المسلمين أصلًا] (الموالاة والمعاداة2/ 38)

كما أنهم -فيما احسب- لم يكونوا يظنون أن الاستعانة بالكفار تصل إلى هذه الدرجة التي يطرحها بعض المعاصرين من استجرار جيوش كاملة بقياداتها وعتادها وراياتها ونظمها، وإنما كان تصورهم لها مقصورا على الاستعانة بأعداد محدودة تابعة لجيش الإسلام لا يكاد وجودها يذكر.

وقد حدثني الشيخ أبو الليث - رحمه الله - أنه كان قد اتصل ببعض العلماء المعاصرين الأجلاء الذين هم الآن في سجون طغاة آل سعود ممن لا أستطيع البوح باسمه لما لا يخفى وسأله عن حكم الاستعانة بأجهزة بعض الدول المرتدة في بعض الحالات الجزئية، فجوز له ذلك بثلاثة شروط، ثم عثرت على ورقة في أرشيف أبي الليث -رحمه الله- يذكر فيها تلك الشروط -كما سمعتها منه- ونص الفتوى كما هو في ورقته وبخطه:[لا حرج في التعامل معهم لتحصيل المصالح، لا سيما في هذا الوقت الذي قل فيه الناصر، وتنامى فيه المخذلون، وذلك بشروط:

الأول: أن تأمنوا غدرهم، أوتكونوا على حذر بحيث لو صارت خيانة لا تتجاوز موقعها.

الثاني: أن تكون المصلحة راجحة على المفسدة.

الثالث: أن تنتهي بانتهاء مصالحهم]أهـ.

والمقصود بالشرط الثالث أن تنتهي الاستعانة بهم بمجرد انتهاء المصلحة التي اقتضت ذلك، بمعنى أن لا يكون أمر التعامل والاستعانة مفتوحًا انفتاحا كليًا، وإنما ينظر في كل حالة جزئية بعينها وتدرس ظروفها وما يتعلق بها من المصالح والمفاسد، فإذا كانت الشروط التي ذكرناها عن العلماء من قبلُ يلزم تحققها في الكفار الأصليين، فوجوب تحققها والتأكيد عليها في حق المرتدين الذين هم أغلظ كفرًا وأعظم مكرًا أولى وأحرى، وهذا كله على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت