الصفحة 56 من 60

قال ابن بطال: عامة الفقهاء يجيزون استئجارهم عند الضرورة وغيرها؛ لما في ذلك من المذلة لهم، وإنما الممتنع أن يؤاجر المسلم نفسه من المشرك لما فيه من إذلال المسلم] [1] وقال ابن بطال: [قال المهلب: وفيه من الفقه ائتمان أهل الشرك على السر والمال إذا علم منهم وفاء ومروءة، كما استأمن النبى - عليه السلام - هذا الدليل المشرك، وهو من الكفار الأعداء المطالبين له، لكنه علم منه مروءة ووفاء ائتمنه من أجلهما على سره في الخروج من مكة، وعلى الناقتين اللتين دفعهما إليه ليوافيهما بهما بعد ثلاث في غار ثور.] [2]

وقال العلامة الشنقيطي -رحمه الله- [أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تكالبت عليه قوى الشر، واضطر إلى الخروج من وطنه، ودخل هو وصاحبه في الغار كما نص الله في سورة براءة «ثاني اثنين إذ هما في الغار» وجميع الدنيا حرب عليه، والطريق تبث فيها العيون والرَّصَد، وجد خبيرا كافرا واسمه: عبد الله بن الأريقط الدؤلي، كافر يسجد للصنم إلا أنه عنده خبرة دنيوية، فهو يعرف الطرق، ويحاشي الطرق المعهودة، ويأتي به من طرق لم يعلمها الناس حتى يسلم من الرَّصد والعيون المبثوثة أمامه؛ النبي لم يقل: هذه خبرة كافر يسجد للصنم فهي خبرة نجسة قذرة أتركها!! لا، استعان بخبرته وأعطاه مراكبه هو وصاحبه، ثم سار منتفعا بخبرته حتى أوصله المدينة بسلام] [3] ورى البيهقي عن الزهري قال: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صفوان بن أمية في أداة ذكرت له عنده فسأله إياها، فقال صفوان: أين الأمان؟ أتأخذها غصبا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إن شئت أن تمسك أداتك فامسكها، وإن أعرتنيها فهي ضامنة علي حتى نؤدي إليك، فقال صفوان: ليس بهذا بأس، وقد أعرتكها فأعطاه يومئذ -زعموا- مائة درع وأداتها، وكان صفوان كثير السلاح، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكفنا حملها فحملها صفوان] ، وقد مر معنا ما في مراسيل الزهري، والله تعالى أعلم.

هذا وما ذكرته هنا هو مجرد إشارة لبعض الحالات التي يجوز فيه الاستعانة بالكفار في شؤون الحرب، وليس المقصود هو التتبع ولا التوسع، ولعل الله يهيأ لي وقتًا أنشط فيه للبسط أكثر والله المستعان.

تنبيه: المقصود بالكفار الذين تحدثنا عنهم في هذا البحث هم الأصليون من أي نحلة كانوا وليسوا المرتدين منهم، فكل ما ذكرناه من الاختلاف في هذه المسألة، واشتراط ما اشتُرط لها عند القائلين بالجواز إنما هو في الكفار الأصليين من يهود أو نصارى أو مجوس أو مشركين أو غيرهم، أما في الكفار المرتدين فلم أطلع على قول بالجواز -فيما قرأت-؛ وذلك لأن الاستعانة بهم تقتضي بعض الأمور: منها إقرارهم على ما هم عليه من الكفر، والمرتد لا يقر على كفره، لقول النبي صلى الله عليه وسلم [من بدل دينه فاقتلوه] ، و منها أن الاستعانة بالكافر

(1) - (فتح الباري: 7/ 100) .

(2) - (شرح ابن بطال: 11/ 401) .

(3) - (الرحلة إلى أفريقيا: 1/ 52 - 53) .وذكر مثل هذا في أكثر من موطن من كتابه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت