وقال شيخ الإسلام: [وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله مسلمهم وكافرهم، وكان يقبل نصحهم] [1]
وقال الإمام الخطابي -رحمه الله-: [وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل الخزاعي وبعثه عينا، ثم صدقه وقبل خبره وهو كافر، وذلك لأن خزاعة كانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمنهم وكافرهم لحلف كانت بينهم في الجاهلية، ولعله أيضا لم يجد من المسلمين من ينوب عنه في تعريف الخبر والتجسس والبحث عن أمر العدو، ثم إن ذلك أمر لا يكاد يتحققه إلا من لابس العدو وداخلهم واستبطن سرهم وهذا المعنى متعذر وجوده غالبا في المسلمين] [2]
الرابعة: جواز الاستعانة ببعض خبرات الكفار والاستفادة بما معهم من المنافع، كمعرفتهم بالطرقات، ونقلهم للأسلحة من مكان إلى مكان، ويدخل في ذلك اليوم تمرس بعضهم في تهريب الأفراد والأسلحة والمعدات بين الدول برًا وبحرًا، وخبرتهم فيما يعرف بمسائل التزوير كالجوازات والوثائق والأختام وغيرها، فالاستعانة بهم في كل ذلك جائز سواء بالأجرة أم بغيرها مع اشتراط الوثوق بهم وأمن غدرهم وخيانتهم، وأن لا تكون لهم الإمرة والرئاسة والعلو على المسلمين.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: [واستأجر النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلًا من بني الديل ... هاديا خريتا -الخريت الماهر بالهداية- ... وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث، فارتحلا وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل الديلي فأخذ بهم أسفل مكة وهو طريق الساحل] رواه البخاري وبوب عليه بقوله: [باب استئجار المشركين عند الضرورة أو إذا لم يوجد أهل الإسلام وعامل النبي صلى الله عليه وسلم يهود خيبر] فقصر ذلك على الضرورة، أو إذا لم يوجد أحدٌ من أهل الإسلام يقوم بهذا العمل.
ولا شك أن صفة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم كانت في غاية الاضطرار والمخاطرة فعيون المشركين قد بثت في كل مكان وقدمت المكافئات المغرية لمن يأتي به صلى الله عليه وسلم، وانعدام المؤمنين الذين يمكن أن يتولوا إخراجه وإيصاله إلى المدينة يكاد يكون مقطوعًا به لاضطهادهم وضعفهم وعجزهم ولأن أكثرهم كانوا قد هاجروا قبله صلى الله عليه وسلم، إلا أن الإمام ابن حجر رحمه الله قد عقب على تبويب البخاري بقوله: [وفي استشهاده بقصة معاملة النبي صلى الله عليه وسلم يهود خيبر على أن يزرعوها وباستئجاره الدليل المشرك لما هاجر على ذلك نظر، لأنه ليس فيهما تصريح بالمقصود من منع استئجارهم، وكأنه أخذ ذلك من هذين الحديثين مضمومًا إلى قوله صلى الله عليه وسلم «إنا لا نستعين بمشرك» أخرجه مسلم وأصحاب السنن، فأراد الجمع بين الأخبار بما ترجم به.
(1) - (مجموع الفتاوى: 4/ 114) .
(2) - (معالم السنن: 2/ 326) .