وفي واقع الأمر يمكن للعرب أن يتفاعلوا مع بعض الشروط الأمريكية أو المطالب، وهو ما يحصل حاليا، ولكن الاندفاع خلف الولايات المتحدة في إدانة غير محسوبة العواقب سيترتب عليها اعتقالات وتسليم لأفراد ومحاكمات أمريكية لموطنين آمنين وإغلاق لمؤسسات أو محاربة لأحزاب وحتى لمشاعر وطنية وفتح لحسابات بنكية ومصرفية ولسجلات استخبارية وطنية وتنصت ورصد واغتيالات وتجنيد لعملاء و لاشك أن القائمة ستطول والأخطر من ذلك أن مفهوم الإرهاب غير محدد إلا في العقلية الأمريكية، ألا يعني هذا أن السيادة الوطنية باتت في مهب الريح؟ وأن المجتمع بات مغزوا في أعماقه؟ وأننا فعلا أمام حرب من نوع جديد كما يصرح الأمريكيون بالضبط؟ ألا يعني هذا أن كل فرد أو جماعة أو مؤسسة سيكون طبقا لمعيار أمريكي ما هو إرهابي أو مشروع إرهابي؟
ربما لو لم يكن ثمة قضايا عربية عالقة منذ زمن بفعل طول اليد الأمريكية لما وجد العرب غضاضة في انضمامهم للحملة الأمريكية. ولكن ليعذرنا المستر"بن لاكن"فما بين أمريكا والعرب هو أزمة ثقة متأصلة وليست شروطا عابرة ولا ضير لو تأكد من ذلك بفحص علاقته بالأمريكيين بعد الثلاثاء المشهور.
تسمى هذه الجرثومة باللغة الانجليزية بالـ Anthrax وهى موجودة في الطبيعة لاسيما في المناطق الحرجية والمراعي والحقول حتى ان الرعاة يعرفونها وفي صيغتها الطبيعية تصيب الحيوانات بالعدوى بيد أنها ليست جرثومة وبائية إذ لا تنتقل إلى الإنسان بالعدوى وبالتالي لا تشكل خطرا على الإنسان اللهم إلا إذا تناولها الإنسان من خلال اللحوم وهو أمر نادر وابرز سماتها أنها لا تختفي تحت اية ظروف جوية. ويمكن تحضيرها ميكروبيا في المختبر المتخصص على نوعين احدهما يصيب الجلد وهو اقل خطر على الإنسان إذا ما عولجت بمضادات حيوية خاصة، غير أن النوع الآخر الذي يقع استنشاقه في الهواء يمثل خطرا قاتلا في ظرف 48 ساعة لأنه يستقر في الرئة. وحاليا ًتوجد نحو 45 دولة تحتفظ بمكيروب الجمرة الخبيثة. إلا أن تحضيرها بالغ التعقيد، فعلى مستوى الخبراء لا يمكن تحضيرها إلا من قبل طالب دكتوراه على الأقل في العلوم الجرثومية بشرط أن يتوفر له مختبر على درجة عالية جدًا من التجهيزات المعملية.
بعيد هجمات الثلاثاء بأيام أو بضعة أسابيع ظهرت أولى الإصابات بالميكروب القاتل ليصيب اثنين من الصحفيين في إحدى اكبر المؤسسات الإعلامية الأمريكية ودون سابق إنذار ضخمت المسألة على نحو غير مسبوق لتصب حمم الرعب والهلع على رؤوس الأمريكيين حتى غدا الأمر وكأنه حرب بيولوجية تتعرض لها الولايات المتحدة. هذه الحرب أداتها رسالة بريدية أو طرود تحمل مسحوقًا ابيضا يصيب الفرد إما باللمس وإما بالاستنشاق ولعل المفارقة العجيبة في هذه المسألة، وفي واقع الأمر ثمة اكثر من مفارقة، ان الهلع أصاب المجتمع الأمريكي في حين أن الرسائل وجهت في الغالب إلى المراكز الحيوية الأمريكية كمبنى الكونغرس والبنتاغون والمخابرات المركزية فضلًا عن كبار الزعماء والشخصيات الأمريكية والمؤسسات الكبرى وبما أن البريد هو وسيلة النقل وحتى لا تبدو ثمة مفارقات انهالت البرقيات الإعلامية من كل صوب وحدب في المعمورة ناقلة لنا اخبار العثور على رسائل تحتوي مسحوقا ابيضا وجدت في بعض السفارات ومكاتب المستشار الألماني