الصفحة 3 من 18

بعد نحو عشرين دقيقة أو أكثر بقليل، وبينما كاميرات المراسلين والصحفيين أمام أعين مئات الملايين المتسمرين أمام شاشات التلفزيون تراقب البرج المحترق، إذا بطائرة ثانية تصطدم ببرج التجارة العالمي التوأم من جهة وتخرج من الجهة الثانية مخلفة وراءها كتلة نارية هائلة ومنظرا يهز الأعماق.

وبالكاد استعاد المشاهد القدرة على متابعة الحدث المريع وإذا بخبر لا يقل ضراوة عن حريق ضخم اندلع في مبنى وزارة الدفاع الأمريكية الشهير بـ"البنتاغون"تبين بعد لحظات أو دقائق معدودة أنه ناجم عن اصطدام طائرة ثالثة بالمبنى في العاصمة الأمريكية واشنطن.

كان الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن قد أعلن أنه سيعود إلى البيت الأبيض في واشنطن غداة الاصطدام الأول ثم ما لبث ناطق رسمي بعد توالي الاصطدامات في المراكز الحيوية أن أعلن أن الرئيس الأمريكي لن يعود إلى واشنطن، وبعد معلومات تلقتها المخابرات الفيدرالية الأمريكية، نقلًا عن مصادر في سلطات الطيران في المطارات والشركات، تقول أن ثمانية طائرات مدنية أمريكية اختطفت وأن إحداها متوجهة نحو البيت الأبيض. هكذا إذن"أمريكا في حالة حرب"كما يعلن الرئيس. على الفور توالت التصريحات المفزعة معلنة حالة الاستنفار القصوى في الولايات المتحدة الأمريكية وفي دول عديدة من العالم أولها بريطانيا. أما قائد سلاح الجو الأمريكي فقد أصدر تعميمًا أمر فيه بحظر شامل للطيران في شتى أجواء الولايات المتحدة ووجوب إسقاط أية طائره تحلق في المجال الجوي. ولم تمر سوى دقائق حتى أعلنت ولاية بنسلفانيا الأمريكية عن اصطدام طائرتي ركاب مدنيتين على مدرجات المطار الدولي للولاية ومقتل جميع ركابهما تبين فيما بعد أنهما مخطوفتان وأنه تم إسقاطهما بينما كانت إحداهما متوجهة نحو البيت الأبيض فيما تبحث الثانية عن طائرة الرئيس الأمريكي، وفي غضون ذلك تستنفر قوى الدفاع المدني في الولايات المتحدة ودول أخرى في العالم للقيام بعمليات إخلاء واسعة للمباني والمؤسسات الحكومية والأبراج العالية.

هكذا اختلطت المشاعر وتشوش التفكير وفقد المرء وزنه. فأية مشاعر يعبر عنها وسط حالة الذهول والرعب وطائرات الهيلوكبتر تحوم حول البرجين المحترقين ومبنى البنتاغون يحترق ووسط عجز تام لا مثيل له في تاريخ الإنسانية وفي أعظم دولة في التاريخ هيبة ومكانة وقدرات يتهاوى البرجان أمام أعين مئات الملايين في مشهد أبشع من خيال هوليود السينمائي اللا محدود ورعب وهلع غير مسبوقين يضربان الهرم السياسي الأمريكي من أعلى قمته إلى أخمصه ويصيب صميم المجتمع الأمريكي ماديا وفي كرامته. ففي عقر دار أمريكا التي ما أتسع خيالها يومًا باستراتيجييها ومفكريها وعلمائها وسكانها لاحتمال ضربة من هذا النوع حتى ممن يمتلكون ناصية القوه والكراهة لأمريكا و حتى لو لم يصب البيت الأبيض أو طائرة الرئيس فرموز القوه الأمريكية هي من تعرض للهجوم. الرمز السياسي حطم تحطيمًا مثلما حطم الرمز الاقتصادي ومثلما حطم الرمز العسكري فمن يجرؤ؟ وما هي مصلحته؟ أية إهانة هذه التي تلقاها الأمريكيون؟ كيف وبأي مقياس وبأي معيار ولأي هدف تحطم الهيبة التي ما بعدها ولا قبلها هيبة؟ فما الذي يستأهل كل هذا العنف الذي أودى بعشرات الآلاف من القتلى والجرحى ومئات الملايين من المنكوبين في عنفوانهم وكبريائهم؟ من يجرؤ على توجيه إهانة بهذا الحجم وبهذا النوع لرأس الحضارة الغربية؟ من المعني بتدمير الإنسان الأخير؟ هل هو الإنسان الجديد؟ ومن هو؟ أم هو بداية لتأريخ جديد؟ ومختلف؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت