بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد ..
فإن رمي خصوم التوحيد لأهله ودعاته، بهذا المسمى البغيض عند أهل الإسلام، أعني (الخوارج) أو ما استبدل به عصريا من لفظة (التكفيريين) هي عادة قديمة لأهل البدع توارثوها عن بعضهم البعض، فهذه سنة الله تعالى في خلقه أن جعل لكل قوم ورثة.
فكما أن للأنبياء ورثة يتتبعون آثارهم وينصرون توحيدهم -جعلنا الله تعالى منهم-، فكذلك لأعدائهم وخصومهم ورثة ... وللمنافقين ورثة، وللمخذلين ورثة، وللمدلسين والملبسين ورثة؛ يتوارثون باطلهم وشبهاتهم، ويتناقلونها في كل زمان، يستعملونها في ترويج بدعهم وفي الطعن على أهل الحق وأصحاب الطائفة المنصورة.
فالبهت (عندهم) رخيص سعره ... حثوًا بلا كيل ولا ميزان
-فلقد روى الخلال في السنة عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: (بلغني أن أبا خالد وموسى بن منصور، وغيرهما يجلسون في ذلك الجانب، ويعيبون من يُكفّر، ويقولون:"إنّا نقول بقول الخوارج"ثم تبسم أبو عبد الله كالمغتاظ) أهـ) [1] (.
-ومن ذلك ما نقله الشاطبي عن الحافظ عبد الرحمن بن بطة، بعدما شكا من بهتان أهل زمانه ومخالفيه له، ورميه بشتى التهم والألقاب، حيث قال: (فكنت على حالة تشبه حالة الإمام الشهير عبد الرحمن بن بطة الحافظ مع أهل زمانه، إذ حكى عن نفسه فقال:"عجبت من حالي في سفري وحضري مع الأقربين مني والأبعدين، والعارفين والمنكرين، فإني وجدت بمكة وخراسان وغيرهما من الأماكن، أكثر من لقيت بها موافقًا أو مخالفًا، دعاني إلى متابعته على ما يقوله، وتصديق قوله والشهادة له، فإن كنت صدقته فيما يقول وأجزت له ذلك سمّاني موافقًا، وإن وقفت في حرف من قوله، أو في شيء من فعله سماني مخالفًا، وإن ذكرت في واحد منها أن الكتاب والسنة بخلاف ذلك وارد، سماني خارجيًا، وإن قرأت عليه حديثًا في التوحيد سماني مشبهًا، وإن كان في الرؤية سماني سالميًا، وإن كان في الإيمان سماني مرجئيًا، وإن كان في الأعمال سماني قدريًا ...".
(1) من مجموعة فتاوى ابن تيمية (6/ 479) ط دار الكتب العلمية.