فهرس الكتاب
أما المصدر الآخر من كتب السيرة فهو مغازي الواقدي، وقد رفض النقاد من المحدثين قبول مروياته، ولكن المؤرخين اهتموا بها لغزارة معلوماته، وتقديمه تفاصيل كثيرة ينفرد بها، سواء في وصف الغزوات، أو تحديد تواريخ الأحداث بدقة، وهذه الدقة، تثير الشك في صدقه. والملاحظ من استقراء مغازيه أنه يسوق روايات كثيرة بأسانيد فيها رواة لا نجد لهم تراجم في كتب علم الرجال، في حين أن نُقُول ابن سعد عنه في الطبقات الكبرى منتقاة. ونجد تراجم رجال الأسانيد في المصادر المعنية.
وثالث كتب السيرة المهمة هو الطبقات الكبرى لمؤلفه محمد بن سعد (ت.230هـ) وكان كاتبًا للواقدي، مما جرَّ إلى اتهامه بسرقة مصنفاته، ولكن المحدثين النقاد رفضوا هذه الاتهامات ووثقوه، كما أن التحقيق والاستقراء لكتابه يكشف عن كونه مؤلفًا أصيلا، وأن رواياته عن الواقدي. - وقد صرح بالنقل عنه ـ لا تمثل معظم الكتاب الذي استقى مادته من شيوخ عديدين.
ويبغي أن يعتبر القسم الأول من أ نساب الأشراف للبلاذري هو المصدر الرابع من حيث الأهمية والقِدم. أما الطبري فإن جلَّ اعتماده على ابن اسحق، وإن أضاف روايات من مصادر أخرى.
ومن المفيد الإشارة إلى أن مصادر متأخرة نسبيًا مثل (الدرر في اختصار المغازي والسير) لابن عبد البر القرطبي (ت 463 هـ) و (جوامع السيرة) لابن حزم (ت 456هـ) ليست إلا أصداء للمصادر القديمة، ولكن المصادر التي تلتها زمنيًا استقت من كتب الحديث إلى جانب كتب السيرة المتخصصة، ويبدو هذا المسلك واضحًا عند ابن سيد الناس في (عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير) و الذهبي في (السيرة النبوية) و ابن كثير في قسم السيرة من كتابه (البداية والنهاية) ، لكن الأخيرين أبديا ملحوظات نقدية مهمة عن الأسانيد والمتون. و الاتجاه نحو الجمع الواسع -كما هو شأن المتأخرين في الحقول الثقافية الأخرى- يظهر عند محمد بن يوسف الدمشقي الشامي (ت 942هـ) حيث انتخب من ثلاثمائة كتاب في سيرته (سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد) .
ولا ينبغي في نهاية الأمر أن نغفل أهمية كتب الدلائل والشمائل، ومن أوسعها (دلائل النبوة) للبيهقي، وكذلك كتب الخصائص، ومن أهمها كتاب ابن الملقن (غاية السول في خصائص الرسول) وكتاب الخيضري الدمشقي (ت 894هـ) (اللفظ المكرم بخصائص النبي صلى الله عليه وسلم) . والله الموفق.
المجتمع العربي قبل الإسلام: دراسة قرآنية
بقلم / عبد الرحمن حللي
كاتب سوري
تمهيد:
تعتبر البيئة التي شهدت ختم النبوة ذات دلالة هامة حول علاقة الرسالة بالواقع والسياق الجغرافي والتاريخي الذي بدأت فيه، كما أن معرفتها مهمة في فهم طبيعة الرسالة الخاتمة وخصائصها، والإلمام بهذه البيئة يكتنفه الكثير من الصعوبات