فهرس الكتاب
لا يستبعد أنها تكرست عبر تحول الشخصية لأناس كانوا بدوًا في الماضي , وذلك بفضل الاستقرار الذي ساعد عليه توطد التجارة في مكة (13) .
وأن هذا الوضع الجديد للقرشيين في مكة أدى إلى دخول قيم جديدة بفضل الثروة , ومن هذه القيم النزعة الفردية , وروح المنافسة مقابل المثل الجماعية التي كانت طاغية , ويحاول هذا التفسير إبراز حاجة المجتمع إلى قيم جديدة تحافظ على القبيلة (14) .
أيًا يكن الأمر فيما يخص الاختلاف بين أهل القرى وأهل البادية وما كان سائدًا بين كل من نظُمٍ وقيمٍ، فإن من ميزات الإسلام أنه استطاع صهر المجموعات البدوية والحضرية في نسق واحد ووجههم في خط الرسالة (15) ، والأهم هو فهم هذا المنهج القرآني من خلال الأفكار التي نقدها القرآن مجملة من غير تفصيل بيئتها وخلفيتها وأصحابها، كما هو الشأن في الكثير من القصص القرآني.
فما لم يكن التاريخ مؤثرًا في العبرة والدلالة يهمل، والذي يمكن تلمسه من خلال هذا العموم القرآني في الحديث عما كان سائدًا قبل البعثة هو الثراء والتنوع والتناقض في القيم والأديان والعادات التي كانت سائدة قبل البعثة، حتى اعتبرت الجزيرة العربية مختزلة لأديان ومعتقدات العالم السماوي منها والأرضي (16) .
وفي هذا الإطلاق والتنوع في بيئة جغرافية مركزية تشهد حركية منقطعة النظير بين مختلف المناطق من العالم دلالة على الحكمة من كون الرسالة الخاتمة تنطلق من هذه البيئة إلى العالم ,إذ ستأخذ طابع البيئة التي انطلقت منها وهو العالمية، وهذا ما يدعونا إلى اكتشاف مكة في عصر ما قبل البعثة , وما أهَّلها لاحتضان مبعث النبوة الخاتمة.
مكة قبل البعثة:
إذا ذكرت مكة تعود الذاكرة إلى إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- ورفعهما القواعد من البيت , ونداء إبراهيم في الناس بالحج، ودعاء إبراهيم لأهل هذا البيت (17) ، وفي هذه الإشارة والعلاقة بين إسماعيل وذريته والبيت الحرام دلالة على التقابل مع إسحق , وتوالي الأنبياء من ذريته، فكانت ذرية إبراهيم قد شرفت بالتاريخ الرسالي والجغرافية المقدسة والمحرمة، فلئن اختص نسل إسحق بالأنبياء فإن نسل إسماعيل ارتبط بالمكان الذي أصبح مركزًا ومآلًا للرسالات التي ختمت به؛ لتنطلق إلى العالم بصيغة نهائية تناسب الكونية التي غدت تحتلها مكة وبيتها الحرام، أول بيت وضع للناس (18) ، الذي سيصبح مركز التاريخ الإنساني (19) .
هذه المركزية والعمق التاريخي لمكة الذي يشير إليه القرآن يدعو لمعرفة أحوالها , وذلك لفهم الأساس الذي قام عليه الإسلام (20) .
يطلق القرآن على مكة اسم أم القرى (21) مما يحمل دلالة على محوريتها بين القرى الأخرى التي ترجع إليها , وتقلدها كعاصمة توجه المنطقة (22) ، فموقفها من أي قضية يؤثر بموقف المناطق الأخرى حتى إذا فتحت ودانت بالإسلام تبعها الناس (23) ، ومما لا يحتاج إلى تأكيد أن وجود الكعبة ومناسك الحج فيها كان العامل الأكبر في مكانة مكة , والمركز المعنوي الذي تتمتع به (24) .