فهرس الكتاب

الصفحة 1635 من 7068

إضافة إلى ما كانت تتمتع به من حركية تجارية بفضل موقعها على الطريق التجاري البري بين اليمن وبلاد الهلال الخصيب، وممارسة أهلها للتجارة مع مختلف بقاع العالم برًا وبحرًا، وكذلك المهن المرتبطة بالتجارة (25) ، والقرآن يحفل بالآيات الدالة على ذلك.

فالقرآن يستعمل تعابير مالية وتجارية لا بد كانت مفهومة ومتداولة مثل: الحساب والميزان والقسطاس والذرة والمثقال والقرض، كما ذُكرت السفن والجواري والمنشآت في البحر، وتردد فيه ذكر تجارة البحر، كما كانت ظاهرة الاستثمار بالربا والقرض ظاهرة منتشرة كما تدل آيات الربا في القرآن، وسورة قريش (26) واضحة الدلالة على الرحلات التجارية البرية , وما كان يعقد فيها من اتفاقيات وعلاقات، والسور المكية تحفل بما يدل على ثرواتهم الطائلة (27) .

كما أن عاداتهم في استقبال القوافل التجارية بقيت مستمرة لما بعد الإسلام (28) ، كل ذلك يدل على المكانة التجارية التي كانت تحتلها مكة قبل البعثة، ويستتبع هذه المكانة مستوى من الوعي الضروري الذي أهَّلهم للقيام بهذا الدور.

هذا والمكانة الدينية التي تحتلها مكة منذ القديم (29) هي العامل الأساسي في نجاحها التجاري , إذ شكل موسم الحج فيها سوقًا تجاريًا سنويًا، والأهم من ذلك ما وفره الحرم من أمن لمكة , تلك المدينة التي لا تمتلك عوامل الأمن الطبيعية فجاء أمنها من قدسيتها واحترامها عند الناس, وقد أشار القرآن إلى هذا الجانب في قوله تعالى:"وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا , أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ" [القصص:57] .

بل هناك آية قرآنية صريحة في كثرة خيراته , وهي"يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ"وقد أشار اللَّهُ إلى العلاقة بين الكعبة وموسم الحج وبين التجارة التي فيها قوام الحياة في قوله تعالى:"جعل الله الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ" [المائدة:97] (30) .

قدسية مكة ومكانتها هذه فرضت بعض الوظائف الدينية والاجتماعية لدى أهل مكة الذين شرفوا بها، وهي وظائف متداخلة، فهي اجتماعية باعتبار علاقة الأقوام والقبائل بها , ودينية من حيث ارتباطها بالبيت الحرام ورعايته، ومن هذه الوظائف التي أشار القرآن إلى قيامهم بها: النسيء وهو تحديد مواعيد الأشهر الحرم من كل عام بما يتناسب مع مصالحهم (31) ، والسقاية وعمارة المسجد الحرام ورعايته (32) .

هذه الصورة العامة لواقع مدينة مكة تدل على كونها مدينة تمتلك من مقومات النظام ما يؤهلها لقيادة ما حولها من الحواضر، بل وتنظيم العلاقات واللقاءات بين مختلف القبائل والوفود القادمة إليها، ولئن كان غامضًا طبيعة النظام الذي كان سائدًا فإن هناك إشارات قرآنية عديدة إلى بعض الآليات التي كانت سائدة في إدارة مكة وقيادتها، من ذلك ظاهرة النوادي التي كان يجتمع فيها الناس ويتداولون الشأن العام , وقد أشار القرآن إلى ذلك (33) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت