فهرس الكتاب
إضافة إلى العديد من المفردات التي تم تداولها في القرآن , والتي تدل على وجود ملامح الشوكة والسلطة والحكم في تلك البيئة، من ذلك: الجند، الإثبات والإخراج من مكة، الملأ، الحبس، السجن، أولو الأمر .. ، كل هذه المفردات تدل على مفهوم السلطة , وقد استعملت في آيات مكية، ومنها ما هو مباشر يخص أهل مكة , ومنها ما يدل السياق على علمهم بمضمونها ومعانيها (34) .
ونفس الأمر بالنسبة للقضاء فهناك آيات ومصطلحات - أبرزها مفردة الحكم ومشتقاتها- تدل على وجود نمط من السلطة القضائية تحل النزاعات بين الناس، وكانت تستند إلى التقليد والعرف، ويقوم بها الوجهاء، وتتم بالاختيار (35) .
هذا عن المعالم العامة لمكة قبل البعثة، أما الشرائح السكانية التي كانت تقطن في مكة فهناك آية تشير إلى وجود بعض الأجانب إلى جانب العرب (36) ، لكن هناك آيات مكية كثيرة (37) تدل على وجود جالية لا بأس بها من أهل الكتاب يعيشون مع العرب في مكة وأكثرهم من النصارى وفيها بعض اليهود (38) .
أما جذور وتاريخ اليهود في الجزيرة العربية فليس هناك من النصوص التاريخية ما يتحدث عن وجودهم قبل الميلاد , أما بعده فقد ثبتت هجرتهم إلى الحجاز إثر ظهور الروم على بلاد الشام وفتكهم بالعبرانيين (39) ، أما النصرانية فقد دخلت الحجاز عن طريق التبشير والنساك والرهبان الذين قدموا إليها (40) .
وقد دخل بعض العرب في النصرانية , أما اليهود فقد كانوا أقلية في مكة , وانتشروا في المدينة أكثر , ويدل الخطاب القرآني لهم بـ (بني إسرائيل) على الإطلاق على الصلة بين معاصري عصر الرسول وأسلافهم وعلى كونهم طارئين على الحجاز , وأنهم غير عرب (41) .
هذه الجالية الأجنبية المقيمة بمكة بما تحمله من أفكار وعادات، إضافة إلى الوفود السنوية من مختلف المناطق التي تفد إلى مكة في موسم الحج أو القوافل التجارية التي تمر عبر طريقها، كل ذلك سيكون له دوره في التلاقح الفكري الذي من الطبيعي أن يكون له أثره في أفكار وربما عقائد المكيين، وفضلًا عن هذا الجانب فإن لحضور هذه الجاليات دلالة على كون مكة فضاء مفتوحًا , وكون المكيين على إحاطة بما يجري في العالم , وعلى اتصال دائم بما حولهم، كل هذه المعطيات تؤكد المكانة الحضارية التي كانت تمتاز بها مكة مما أهلها لاحتضان الرسالة الخاتمة التي ستنطلق إلى العالم المختزل في عالم مكة الأرخبيلي.
لكن المحور الأهم في حياة المكيين هو الأفكار والعقائد التي كانت سائدة قبل البعثة، ولئن كان القرآن المكي يشتمل على بيانها فإن السياق القرآني يعالج هذه الأفكار خارج إطار الزمان والمكان، وليس من الضروري أن تكون الأفكار المطروحة للنقد هي أفكار أهل مكة باعتبار أن الدعوة كانت تنطلق إلى جميع الناس , حتى الوفود الذين يردون إلى مكة أو القاطنين خارجها، مما يقتضي اتباع السياق القرآني , وتناول تلك الأفكار خارج السياق التاريخي والجغرافي، ويؤكد أهمية ذلك ما أشرنا إليه سابقًا من تداخل أفكار أهل البدو مع أهل الحضر دون تمييز.