فهرس الكتاب

الصفحة 1637 من 7068

لهذه الاعتبارات سنتناول الأفكار والعقائد التي كانت سائدة قبل البعثة , والتي يشير إليها القرآن , وذلك بغض النظر عمن كان يتبناها، والمكان والتاريخ الذي كانت منتشرة فيه، المهم حضورها في عصر الرسول.

الأفكار والعقائد/ البيئة الدينية والفكرية قبل البعثة:

يحتل المجتمع الجاهلي مساحة كبيرة من آيات القرآن , إذ بلغت الآيات التي تناولته /1575/آية، منها /1096/آية مكية و/479/آية مدنية، وتشكل عقائد المجتمع الجاهلي نسبة 54% من الآيات، ومعظمها مكي، وقد توزعت القضايا العقدية فيها على ثلاثة محاور: الشرك=514، البعث=282، إنكار الوحي=69 (42) .

هذه المعطيات العددية إن دلت على شيء فإنما تدل على أهمية تلك المرحلة , وضرورة معرفتها لما لها من أثر في تصور الإضافة التي جاءت بها الرسالة الخاتمة، والتركيز القرآني على مجموعة من العقائد المركزية , يشير إلى أهميتها في مضمون الرسالة الجديدة.

سنحاول استكشاف المحاور الرئيسية للأفكار والعقائد التي كانت سائدة مستلهمين ذلك من آيات القرآن مع الإحالة على أماكن تفصيلها في كتب اختصت بالموضوع، وسنركز على ثلاثة محاور: الأفكار والعادات العامة , وسنجمل فيها ما ساد من عادات وتقاليد اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية بشكل عام، ثم نثني بالعقائد الدينية التي كانت سائدة , ونتبع ذلك بالطقوس الدينية المنتشرة.

1 -الأفكار والعادات العامة:

يوصف المجتمع الذي سبق البعثة بالجاهلية , وهو وصف وارد في القرآن على بعض الجوانب في ذلك المجتمع (43) ، فهو وصف نسبي ينطبق على الجانب العقدي وما يرتبط به , وبعض العادات الاجتماعية , ولا تصح هذه التسمية من الناحية الثقافية (44) ، فلم يكن مجتمع ما قبل البعثة كما تصوره الكثير من المصادر مجتمعًا معزولًا عن العالم , أو لا يعرف من العلوم شيئًا بل العكس، إذ كان لدى العرب أدب ولغة في غاية التطور، وكانت لديهم معارف بالأنساب والتاريخ والفلك، فضلًا عما تقتضيه الحركة التجارية التي كانت سائدة في المنطقة من علم بالاقتصاد والحساب والكتابة، والدلائل كثيرة على إلمام العرب بالقراءة والكتابة وانتشارها بينهم (45) .

هذا التقدم الحضري الذي سبق البعثة يذكرنا بالبيئات التي بعث بها الرسل من قبل , والتي كانت تتميز بكونها مجتمعات حضرية متقدمة , وربما بلغت شأوًا في العلم والتقدم المادي، هذا الجانب المادي عندما يطغى على الجانب الأخلاقي يسود الظلم , ويصل بالمجتمع إلى مأزق روحي، فيأتي التدخل الإلهي عبر إرسال الأنبياء لتصحيح مسيرة الناس , وردهم إلى فطرتهم , والإيمان بالله الذي يقتضي العدل , وإعارة الجانب الروحي من حياة الإنسان حقه، فالتقدم المادي لا يستلزم رقيًا دينيًا أو روحيًا , بل ربما كان عائقًا أمام انتشار القيم والمثل التي يحافظ عليها قلة في المجتمع، وهذا ما كان عليه حال المجتمع الذي سبق بعثة الرسول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت