فهرس الكتاب

الصفحة 1640 من 7068

وكل هذه التفسيرات مستبعدة نظرًا لذكرهم مع المجوس , وتصنيفهم مع اليهود والنصارى ذوي الأصل التوحيدي , مما يرجح كونهم أقرب إلى التوحيد، إضافة إلى أن الكلمة متداولة بين العرب بكثرة، وتدل لغويًا على الميل والانحراف (60) ، وقد استعملها العرب لمن انحرف عن دين القوم وعقائدهم، وبهذا المعنى أطلقوها على من أسلم واتبع الدين الجديد، وكانت تطلق على من ترك عبادة الأصنام، كما كانت تستعمل في مقام الحنفاء.

وقد أطلقت على الرسول وأصحابه، مما يرجح إطلاقها في عرفهم على الموحدين الذين نبذوا الأصنام قبل البعثة وانحرفوا عن دين قومهم، وهم في التعبير القرآني غير المسلمين وغير اليهود والنصارى وغير المجوس , كما إنهم معهودون بين العرب، وقد سُلِك العرب المسلمون في زمرتهم - رغم اعتراض المسلمين على التسمية - لاشتراكهم في الاعتراض على دين قومهم وانحرافهم عن تقاليده وقولهم بالتوحيد، ولعلهم هم نفس الحنفاء الذين كانوا في الجاهلية (61) .

ولا يزال مفهوم الصابئين من المفاهيم الشائكة التي حيرت المفسرين والباحثين قديمًا وحديثًا (62) ، وأرى أن هذه التسمية القرآنية ربما لتميز الحنفاء الذين أسلموا من الذين استمروا منهم على ما هم عليه ولم يدخلوا في الإسلام , إذ وصف الحنفاء التحم بوصف الإسلام , بينما الصابئون سلكوا في صنف الأديان ذات الأصل التوحيدي دون أن يعتنقوا الإسلام، فهم الحنفاء قبل الإسلام ولم يتحولوا إليه، وهذا يحيلنا على الحنفاء قبل الإسلام.

الحنفاء: عرف الحنفاء بين المسلمين بأنهم من كانوا على دين إبراهيم من الجاهليين، فلم يشركوا بربهم أحدًا , ولم يدخلوا في يهودية ولا نصرانية، ولم يقبلوا بعبادة الأصنام دينًا , بل سفهوا تلك العبادة والقائلين بها، وكانت لهم عادات خاصة تميزوا بها، وعلى العموم فإن المصادر لا تساعد على رسم صورة واضحة للحنفاء، فما ورد في القرآن يؤكد أنهم أولئك الذين رفضوا عبادة الأصنام، فلم يكونوا من المشركين، بل كانوا يدينون بالتوحيد الخالص، وهو فوق توحيد اليهود والنصارى، فلم يكونوا يهودًا ولا نصارى، وكان قدوتهم إبراهيم.

أما المصادر التاريخية فإن معظم ما ورد فيها عنهم يخص الناحية الأخلاقية أكثر مما يخص الناحية الدينية، وما يمكن ملاحظته أن الحنفاء كانوا على رأي واحد لا كطائفة واحدة، فقد كانوا نفرًا من قبائل متفرقة لم تجمع بينهم رابطة، إنما اتفقت فكرتهم في رفض عبادة الأصنام وفي الدعوة إلى الإصلاح (63) .

ويرى البعض أن التيار الحنيفي كان يحمل مشروعًا دينيًا سياسيًا على مستوى الجزيرة العربية لكن الإسلام قام بالطموحين فانتفى الشرط التاريخي لظاهرة الحنفاء (64) .

خلصنا مما سبق إلى أن ما يجمع الصابئة والأحناف هو الأصل التوحيدي ونبذ عبادة الأصنام واتباع إبراهيم، واستمرار الحنفاء عبر الإسلام , وانفراد الصابئين ببقائهم على عاداتهم , وما كونوه من تيار دون الدخول في الإسلام، وما يشير إليه ذلك التيار هو تطور الذهنية الدينية عند بعض العرب قبل الإسلام , وشعور شريحة منهم بضرورة البحث عن الدين الحق الذي يتلاءم مع العقل والفطرة، ولم تفلح العقائد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت