فهرس الكتاب
العقل , إذ عرف بينهم بالاتزان والحكمة، فيكون قصدهم أن ما يدعيه من الوحي ليس من الملائكة الخيرين الذين طلبوا منه إثبات إنزالهم عليه، وما يؤيد هذا المعنى للجنون إجابة القرآن على تهمة الرسول بالجنون بأن القرآن تنزيل من الله بواسطة الملك (80) ، لاسيما وأن العرب كانوا يتصورون اتصال الجن مع الإنس , لاسيما الشعراء والكهان والسحرة (81) ، هذا ومعظم ما ورد في القرآن عن الجن وإبليس والشيطان لاسيما ما ورد بأسلوب تقريري في سياق العبرة والعظة والتذكير يشير إلى كونه مما هو معلوم عند العرب (82) .
هذا ولعالم الجن دور هام في حياة العرب إذ كانوا في تصورهم هم مصدر التنبؤ والكهانة والسحر والشعر، ونظرًا لما يحتله من يمارس هذه الأشياء من مكانة فقد كانت مصدر تنافس بين القبائل مما ساعد على انتشار هذه الظاهرة (83) ، وهذا الجانب من الحياة العربية كان كأي جانب آخر عرضة للتطور والتغير، وما كان عليه الحال قبل البعثة هو نتيجة لتطور مستمر دام آلاف السنين , قام به رجال من أهل الجاهلية , إما بشعور ذاتي أو بتأثر خارجي من خلال الاتصال متعدد الأشكال مع العالم الخارجي.
وهذه المقاربة العربية للغيب ومحاولات المتنبئين تذكرنا بتاريخ النبوة عند العرب وما ذكرهم به القرآن من نبوة هود وصالح باعتبارهم معروفين من قبلهم (84) .
هذا وما يحمله العرب من تصور للنبوة والنبي , وما ينبغي أن يكون عليه من تأييد وقدرات خارقة كان مما دعاهم لرفض نبوة محمد التي لم تأت بالخوارق التي سمعوا عنها مما جاء به الأنبياء من قبل (85) .
هذه التصورات للآلهة وللغيب على ما ينطوي عليه من تنوع أورثت عندهم تطلعًا لإرضائها والتقرب إليها خوفًا أو رغبة، فكانت لديهم بعض الطقوس و العادات والمحرمات.
-الطقوس والمحرمات: كل عقيدة تفرض على معتنقيها طقوسًا وتعاليم تميزها عن غيرها يفرضها مصدر الدين أو يتم تشكلها عبر الزمن , وقد تتأثر بالعقائد الأخرى أو الموروث الاجتماعي كما يمكن أن تتطور العادات والمواسم لتصبح طقسًا دينيًا.
تشير الآيات القرآنية (86) إلى وجود طقس الصلاة بين الجاهلين لكن ليس هناك ما يدل على طريقة هذه الصلاة (87) ، وتشير أية فرض الصوم إلى قدم هذه الفريضة على من سبق من أهل الكتاب , ولا يستبعد بعض المؤرخين وجودها بين العرب أو كونها من بقايا شريعة إبراهيم (88) ، وكذلك الاعتكاف كعبادة دينية ورياضة روحية كان ممارسًا قبل البعثة وقد أشار القرآن إلى الاعتكاف في البيت الحرام (89) .
واسم يوم الجمعة يدل على اجتماعهم فيه , وربما اعتباره مشتملًا على خصوصية دينية (90) ، أما عبادة الحج فلا توجد أخبار مدونة عن مناسكه وشعائره عند الجاهلين (91) لكن الآيات القرآنية (92) صريحة في كونها من العبادات التي كانت سائدة قبل البعثة ومنذ عهد إبراهيم (93) .
بل إن مكة ارتبطت بفريضة الحج التي أصبحت مقومًا من مقومات مكانة مكة، أما عن كيفية الحج عندهم فقد أشارت الآيات إلى وجود أشهر خاصة بالحج , وكانوا