فهرس الكتاب

الصفحة 1644 من 7068

يتلاعبون بها، ولعل يوم الحج الأكبر الذي وردت فيه البراءة من المشركين هو يوم عرفة , إذ التسمية معروفة عندهم , وقد جاءت البراءة في نفس اليوم، وكذلك شبه القرآن بعث الجاهلين بعد الموت بالتزامهم النصب مما يشير إلى كونهم يلتزمونها أثناء طوافهم (94) .

كما أمروا بترك ما كان في الجاهلية والإفاضة من حيث أفاض الناس، وكذلك السعي والهدي والقلائد وحرمة الصيد مما كان سائدًا في مراسم الحج في الجاهلية، وبهذه الصورة يكون الإسلام قد صحح الحج الذي كان وخلصه من شوائب الشرك والوثنية وما لا يتلاءم مع قيم الإسلام (95) ، هذا ومن الشعائر التي كانت سائدة في الجاهلية كما هو الشأن في سائر الأديان تقليد القربان سواء ما كان متصلًا بهدي الحج أو مستقلًا عنه (96) .

وقد وصل ببعضهم تقديم القربان البشري وهو أحد أسباب وأد البنات عندهم وتشير بعض الآيات إلى اقتران ذلك بالشرك (97) ، وبذلك تكون هذه الشعيرة من بقايا الشعائر الدينية التي كانت سائدة في القديم (98) .

هذا وبالإضافة للشعائر كانت لدى الجاهلين بعض المحرمات, منها ما هو مرتبط بالحج كما أشرنا فيما يخص الأشهر الحرم , ومنها ما هو مرتبط بالقربان أو أنواع الحيوان , وما يؤكل منها وما لا يؤكل , وقد أشار القرآن إلى ما ابتدعوه من هذه المحرمات (99) وما أطلقوه عليها من أسماء كالسائبة والحام والوصيلة والبحيرة (100) .

وقد اختلف كثيرًا في تفسير هذه الأسماء , ولا يمكن الجزم بمعناها لكن الأهم هو ما تشير إليه من أن الجاهليين كانوا يراعون هذه الأمور مراعاة شديدة , ولهم فيها قواعد وأحكام ترجع إلى تقاليد قديمة حافظوا عليها إلى أن منعها الإسلام (101) .

إن ما أوردناه من كيفية إشارة القرآن لما كان سائدًا من أفكار وعقائد وأعراف وعادات , وتصحيحه لها وإقرار ما كان صحيحًا منها، بل واستعماله لمصطلحات كانت سائدة وتطويرها، حتى إن أهم مصطلحات الدين الحلال والحرام كانت سائدة قبل الإسلام، يدل على وجود فكر ديني وقانوني كان يحكم مسيرة العرب قبل الإسلام (102) ، وعلى الصعيد الأخلاقي فقد كانت المروءة عند الجاهليين كالدين عند المسلمين فهي أقصى ما يكون من أخلاق في الرجل , فكان لها دور في تكريس الشجاعة والمساواة والأريحية والكرم وغيرها من القيم الأخلاقية التي أقرها الإسلام (103) .

خاتمة:

هذه التفاصيل القرآنية التي أوردناها حول المجتمع العربي قبل الإسلام لاسيما فيما يخص الجانب الديني تدل على أن العرب لم يكونوا متفقين على عبادة موحدة , ولم يكونوا يعبدون إلهًا واحدًا أو أصنامًا معينة , كما لم يكونوا جميعًا على سوية واحدة في التفكير الديني، فلم يكن الانحطاط الديني عامًا للجميع (104) ، فقد كانت الجزيرة العربية تمثل اختزالًا لما كان يسود الكون من أفكار وأديان في العالم آنذاك , وذلك ما أهَّلها لتكون مهدًا لرسالة عالمية تخاطب العالم , وتخرج من وسط تجمُّع له صلة بما يسود الفكر الديني في عصرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت