فهرس الكتاب

الصفحة 1645 من 7068

هذه المقاربة إن بدت موغلة في التاريخ فإن جوهرها وما طرحته من رؤية حول تلك الفترة له صلة بحاضر العالم اليوم، فلئن ساد في الفكر الإحيائي في القرن الماضي وصف العالم بالجاهلية، وبدا ذلك متناقضًا من ناحيتين: المفارقة في المقارنة بين زمنين مختلفين ومفارقة مضمون المفهوم، فإن ما تفيده مقاربتنا أن الإنسان أحوج ما يكون للدين عندما يكون متقدمًا وعالمًا ومتطورًا، والأنبياء إنما كانوا يبعثون في بيئة حضرية متقدمة، والقيم الأخلاقية يحتاجها الغني أكثر من الفقير , والقوي أكثر من الضعيف.

لذلك فإن عالم اليوم المتقدم والدول المتعملقة على أكتاف الضعفاء إنما تحتاج إلى بعث جديد يحيي فيها قيم الإنسانية التي جاء بها الأنبياء , ويفتح أفق الإنسان لتصحيح التاريخ وتوجيهه نحو التي هي أقوم, كما وجهته الرسالة الخاتمة عندما بعث محمد صلى الله عليه وسلم في أم القرى، فتحول الكون إلى قرية اليوم يشبه أحوال مكة أم القرى عند البعثة , حيث امتزاج الأفكار والأديان والأعراق ومحوريتها بين القرى.

ويبقى التاريخ مصدرًا حضاريًا وملهمًا أساسيًا لمن يبتغي رؤية المستقبل رؤية بعيدة، فحاضر اليوم"وَلَنْ تَجِد لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا"ليس إلا نتيجة ما فعل بالأمس , والغد ليس إلا نتيجة ما نفعله اليوم.

المصدر: الملتقى الفكري للإبداع

الإحالات:

1)انظر: جواد علي، تاريخ العرب قبل الإسلام:5/ 11 - 19، وقد أشار إلى عدم وجود أي نص من تلك الفترة يتعلق بأمور دينية مباشرة، كما لا توجد كتب كتبها يونان أو لاتين أو سريان أو غيرهم عن أساطير العرب في الجاهلية، وانظر أيضًا: صالح أحمد العلي، تاريخ العرب القديم والبعثة النبوية:205، دومينيك سورديل، الإسلام:24.

2)استطاع محمد عزة دروزة من خلال ما ورد في القرآن أن يبني صورة متكاملة عن بيئة عصر الرسول عند بعثته وذلك بتتبع الآيات المتعلقة بنقد أفكارهم وما ورد من تشريعات تصحح أو تنسخ ما كانوا عليه، وكذلك من خلال المفاهيم والمصطلحات القرآنية المستعملة بلغتهم في سياق يدل على إلمامهم بمضامينها، وقد أسمى كتابه المتميز في موضوعه (عصر النبي عليه السلام وبيئته قبل البعثة) وقد كتبه عام 1940 ونشره أول مرة عام 1946، وأعاد تنقيحه ونشره في طبعة ثانية عام 1964 وقد صدر عن دار اليقظة العربية في بيروت وسنعتمد على هذه الطبعة في الإحالة عليه.

3)انظر: صالح أحمد العلي، م. س:206.

4)انظر: محمد عزة دروزة، م. س:7.

5)قام بعض الباحثين بالخلط التام بين الحضر والبدو حتى في العناوين، فاعتبر كل ما ورد من عادات ونظم سابقة للإسلام نظمًا بدوية، ودرسها تحت هذا العنوان، ولاحظ أن أثرها استمر في الإسلام وعبر التاريخ (صالح أحمد العلي، تاريخ العرب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت