فهرس الكتاب
الإسرائيليات، مع أن كثيرًا من وقائع السيرة وأخبارها ليست بحاجة إلى أن تُتَكلف فيها الشروح والتفاسير والتعليقات إذ هي أوضح من ذلك. وقد تناول هذا الموضوع الدكتور عماد الدين خليل في دراسة عن السيرة مشيرًا إلى أن حاجة بعض المؤرخين إلى التكلف تناقض ما في آيات القرآن مما يكفي لرسم صورة صادقة لشخصية النبي، صلى الله عليه وسلم، وفيها قرائن وإشارات ودلالات عديدة تساعد على التعرف على نشأته وسيرته.
الإسرائيليات والدراسات الحديثة:
وإذا كانت النظرة المادية تقتل في السيرة روحها وتطمس شخصيتها فإن الواقعة التاريخية تتطلب دراستها بذاتها بعيدًا عن الانسياق وراء الخيال القصصي الإسرائيلي والتهويل الأسطوري. على أن قطع الصلة بالغيب يجب توقيه عند رفض الإسرائيليات وأكثر الخوارق، وحتى لا ينزلق الباحث إلى التفسير المادي للتاريخ. وفي السيرة تطبيق لمبادئ الحرب في الغزوات ومراعاة لأسباب الحيطة والحذر والاستعداد وهو ما ينأى بها عن أن تكون بمجملها من الخوارق غير الاعتيادية.
هذا وفي مقابل تهاويل القصص الإسرائيلي قديما اشتطت الكتابات الاستشراقية حديثًا بالشاذ والغريب من الروايات لإثارة الشك. قال دوزي: إن محمدًا كان يشاطر بني جلدته نظرتهم القائمة على احتقار اليمنيين والزراعيين، وأنه سمع رجلًا ينشد بيتًا يشير فيه إلى أنه حمْيري وليس أسلافه من ربيعة ولا مضر فقال: إن هذا نسب يبعدك عن الله ورسوله. فلما يئس من حمل أهل جنسه من التجار والبدو على اعتناق مبادئه، ورأى أنه مهدد في حياته منذ مات عمه، اضطر لتناسي هذه النظرة فرحب بوفد عرب المدينة الذين عطفوا عليه وأكرموه بعد اضطهاد المكيين، بمعنى أنه تناسى نظرته وقبل المساعدة من أي طريق! وهكذا بنى دوزي حكمًا على خبر شاذ غريب.
ومستشرق آخر يشكك في اسم النبي، صلى الله عليه وسلم، ويقول: إن اسمه ورد في أربع سور من القرآن هي: آل عمران، والأحزاب، ومحمد، والفتح، وكلها سور مدنية. ومن ثم فإن لفظة محمد لم تكن اسم علم للرسول قبل الهجرة، وإنما اتخذه بتأثير قراءاته للإنجيل واتصاله بالنصارى، بمعنى أنه التقط هذا الاسم واصطفاه لنفسه (9) !
ردة العرب والحكم المسبق:
وإذا أنكر أحد أخبار ردة العرب بعد وفاة النبي، صلى الله عليه وسلم، وقال إنها مصنوعة الحوادث، موضوعة الوقائع (10) ، اختُلقت لغرض سياسي، وإنها من صنع مؤرخ الهيئة السياسية الحاكمة، سيف بن عمر، فإنه لا يمكن مناقشته في أمر الروايات التاريخية ونقدها! لأن من قال بهذا مدفوع بهوى عقدي يدعوك إلى أن تقر بردة حقيقية يراها هو وهي ردة أبي بكر وعمر وعثمان، رضي الله عنهم، واغتصابهم الحق الشرعي والاستيلاء على كرسي الحكم، أما ردة الأعراب فهي من افتراءات سيف على حد زعمه.
وبمثل هذا المثال تبدو فرصة دراسة الروايات التاريخية غير متاحة لأن الحكم المسبق أو نزعة الهوى تقضى عليها تمامًا. ومهما بلغ الناقد من قوة البحث والتمحيص فإنه سيدور في فلك البحوث التاريخية المحكوم عليها بالعقم. وحتى