فهرس الكتاب
فلم يزل يصنع ذلك حتى قدم بى المدينة. فلما نظر إلى قرية بنى عمرو بن عوف بقباء - وكان بها منزل أبى سلمة في مهاجره - قال: إن زوجك في هذه القرية، فادخليها على بركة اللَّه. ثم انصرف راجعًا إلى مكة.
فكانت أم سلمة بذلك أول ظعينة (مهاجرة) دخلت المدينة، كما كان زوجها أبو سلمة أول من هاجر إلى يثرب من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كما كانا أولَ مهاجِرَيْنِ إلى الحبشة.
وفى المدينة عكفت أم سلمة - رضى اللَّه عنها - على تربية أولادها الصغار؛ سلمة وعمر وزينب ودرة. وجاهد زوجها في سبيل اللَّه، فشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم بدرًا وأحدًا، واستعمله (على المدينة إبّان غزوة العشيرة؛ نظرًا لإخلاصه وحسن بلائه، وجعله أميرًا -مرة- على سرية، وكان معه مائة وخمسون رجلا منهم"أبو عبيدة بن الجراح"؛ وذلك عندما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن بنى أسد يُعِدُّون لمهاجمته في المدينة. فعاد أبو سلمة مظفرًا، لكن جرحه الذي أصيب به يوم أحد انتكأ بصورة شديدة أودت بحياته، فمات شهيدًا.
فقالت له أم سلمة يومًا: بلغنى أنه ليس امرأة يموت زوجها، وهو من أهل الجنة، ثم لم تتزوج بعده، إلا جمع اللَّه بينهما في الجنة، وكذلك إذا ماتت المرأة وبقى الرجل بعدها .. فتعال أعاهدك ألا تتزوج بعدي، وألا أتزوج بعدك. قال: فإذا مت فتزوجي، ثم قال: اللهمَّ ارزق"أم سلمة"بعدى رجلا خيرًا منى لا يحزنها ولا يؤذيها. [ابن سعد] . فلما انتهت عدتها من وفاة زوجها -رضى اللَّه عنه- تقدم أبو بكر، ثم عمر -رضى اللَّه عنهما- ليخطباها ولكنها ردتهما ردًّا جميلًا.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواسيها ويخفف عنها لما توفى زوجها، ويقول لها:"قولي: اللهم اغفر لنا وله، وأعقبنى منه عقبى صالحة" [أحمد ومسلم وأبو داود] .
ومرت الأيام، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوجها، فأرسل حاطبَ بن أبى بلتعة يخطِبها له. فقالت السيدة أم سلمة: مرحبًا برسول اللَّه وبرسله، أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنى امرأة غَيْرَى (شديدة الغيرة) ، وأنى مُصْبِيَة (عندى صبيان) ، وأنه ليس أحد من أوليائى شاهدًا. فبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"أما قولك: إنك امرأة مصبية، فالله يكفيك صبيانك (وفى رواية: أما أيتامك فعلى اللَّه ورسوله) ، وأما قولك: إنك غَيْري، فسأدعو اللَّه أن يذهب غيرتك، وأما الأولياء، فليس منهم شاهد ولا غائب إلا سيرضى بي" [ابن سعد] .
فلما وصلها جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرحت به، ووافقت على الزواج منه (؛ فتزوجها ونزلت أم سلمة من نفس النبي صلى الله عليه وسلم منزلا حسنًا؛ فكان صلى الله عليه وسلم إذا صلى العصر دخل على أزواجه مبتدئًا بأم سلمة ومنتهيًا بعائشة؛ رضى اللَّه عنهن أجمعين.
وقد شهدت أم سلمة -رضى الله عنها- مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح خيبر، وفتح مكة وصحبته في حصار الطائف، وفى غزوة هوازن وثقيف، وكانت معه في حجة الوداع.