فهرس الكتاب
عاتقة المائة (جويرية بنت الحارث)
اختارتْ جوار اللَّه ورسوله، وفضلتْ الإسلام على اليهودية، فيروى أنه لما جاء أبوها الحارث بن أبى ضرار -سيد يهود"بنى المصطلق"وزعيمهم- إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن ابنتى لا يُسبَى مثلها، فأنا أَكْرَم من ذلك. قال له النبي صلى الله عليه وسلم"أرأيت إن خيَّرْناها؟"فأتاها أبوها فقال: إن هذا الرجل قد خيرك، فلا تفضحينا. فقالت: فإنى قد اخترتُ اللَّه ورسوله. قال:"قد واللَّه فضحتِنا" [ابن سعد] . ثم أقبل أبوها في اليوم التالى ومعه فداؤها فلما كان بالعقيق (وادٍ قرب المدينة) نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء، فرغب في بعيرين منها طمعًا فيهما، فغيبهما في شِعْب من شعاب العقيق، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا محمد، أصبتم ابنتى وهذا فداؤها.
فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"فأين البعيران اللذان غَيَّبْتَ (خَبَّأْتَ) بالعقيق في شِعْبِ كذا وكذا؟".
قال الحارث: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه، فواللَّه ما أطلعكَ على ذلك إلا اللَّه. فأسلم، وأسلم ابنان له، وكثير من قومه، وأرسل بمن جاء بالبعيرين، ودفع بالإبل جميعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فكانت -رضى الله عنها- سببًا في إسلام أهلها، ونالت بذلك ثواب هدايتهم، إنها أم المؤمنين السيدة جويرية بنت الحارث ابن أبى ضرار.
تقول جويرية -رضى الله عنها-: قال لى أبى وهو يبرر هزيمته أمام جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أتانا ما لا قبل لنا به". فلما أسلمتُ وتزوجنى رسول الله صلى الله عليه وسلم:، ورجعنا إلى المدينة جعلت أنظر إلى المسلمين، فرأيتهم ليسوا كما سمعتُ. فعلمتُ أنه رعب من اللَّه يلقيه في قلوب المشركين.
اشتُهِرتْ جويرية بكثرة عبادتها وقنوتها للَّه، فقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم من عندها بكرة حين صلى الصبح وهى في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهى جالسة، فقال:"مازلت على الحال التي فارقتك عليها؟"قالت: نعم. قال النبي صلى الله عليه وسلم لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته" [مسلم] . فكانت -رضى الله عنها- كثيرًا تردُّدها."
وقد كانت جويرية قبل أن تتزوج النبي صلى الله عليه وسلم متزوجة من رجل مشرك، هو ابن عمها مسامح بن صفوان، وقد قُتل في غزوة بنى المصطلق في السنة السادسة للهجرة، حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم لقتال يهود بنى المصطلق لما بلغه استعدادهم لقتال المسلمين بقيادة زعيمهم الحارث بن أبى ضرار، فقاتلهم، فنصر اللَّه رسوله وهزم الكفار وأُخِذت نساؤهم سبايا، ومنهن: جويرية (وكان اسمها قبل أن يتزوجها النبي"بَرّة"فغيره النبي إلى"جويرية"؛ لأنه كره أن يقال: خرج النبي من عند برة) . تقول عائشة -رضى اللَّه عنها-: إنه لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء بنى المصطلق، فوقعت جويرية في سهم ثابت بن قيس، الذي عرض عليها أمر افتدائها بمقدار تسع أواق من الذهب، وهو واثق من أنها قادرة على دفعها