فهرس الكتاب
وقال علي رضي الله عنه: بئس ما قال، عمر عند ظنك به، ورأيك فيه، إن وليته ـ مع أنه كان واليًا معك ـ نحظى برأيه ونأخذ منه، فامض لما تريد، ودع مخاطبة الرجل فإن يكن على ما ظننت إن شاء الله فله عمدت، وإن يكن مالا تظن لم ترد إلا الخير.
ودخل عبد الرحمن بن عوف على أبي بكر الصديق يعوده في مرضه الذي مات فيه فوجده مقنعًا، فقال له عبد الرحمن: أصبحت بحمد الله بارئًا، فقال: أبرء ذاك؟ قال: نعم، قال: أما إني على ذلك لشديد الوجع ولما لقيت منكم أيها المهاجرون أشد علي من وجعي، إني وليت أمركم خيركم في نفسي، فكلكم رغم أنفه أن يكون له الأمر دونه ورأيتم الدنيا قد أقبلت، ولما تقبل، وهي مقبلة، حتى تتخذوا ستور الحرير ونضائد الديباج، وحتى يألم أحدكم بالاضطجاع على الصوف الأذربي (1) كما يألم أحدكم إذا نام على حسك السعدان (2) ، والذي نفسي بيده لأن يقدم أحدكم فتضرب عنقه في غير حد، خير له من أن يخوض غمرات الدنيا، ثم أنتم غدا أول ضال بالناس يمينًا وشمالًا، لا تضيعوهم عن الطريق، يا هادي الطريق جرت، إنما هو الفجر أو البجر (3) . فقال له عبد الرحمن: حفظ الله عليك يرحمك الله فإن هذا يهيضك إلى ما بك، إنما الناس في أمرك رجلان: إما رجل رأى ما رأيت فهو معك، وإما رجل رأى ما لم تر فهو يشير عليك بما يعلم، وصاحبك كما تحب أو كما يحب، ولا نعلمك أردت إلا الخير، ولم تزل صالحًا مصلحًا مع أنك لا تأسى على شيء من الدنيا.
(1) الأذربي: نسبة إلى اذربيجان، وهو صوف شديد النعومة.
(2) حسك السعدان: نبات كثير الشوك.
(3) البجر: الدهماء والمعنى في الفجر تبصر الطريق، وفي الظلمة تنزل بالمكروه.
ودخل بعض الصحابة على أبي بكر وقد علموا باستشارته في عمر، فقال أحدهم: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا، وقد ترى غلظته، وهو إذا ولى كان أفظ وأغلظ؟ فقال أبو بكر: أجلسوني فلما جلس، قال: أباالله تخوفونني؟ خاتزوّد من أمركم بظلم. أقول: اللهم إني قد استخلفت على أهلك خير أهلك. ثم قال للقائل أبلغ عني ما قلت لك من وراءك.
ثم اضطجع ودعا بعثمان، فقال له: اكتب، بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما دعا به أبو بكر ابن أبي قحافة، في آخر عهده بالدنيا خارجًا منها، وأول عهده بالآخرة داخلًا فيها حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب، إني استخلف عليكم بعدي ... وأخذته غشية قبل أن يسمى أحدًا. فكتب عثمان رضي الله عنه: إني استخلف عليكم بعدي عمر بن الخطاب ... ثم أفاق أبو بكر فقال: اقرأ علي ما كتبت فقرأ عليه ذكر عمر، فكبر أبو بكر، وقال: أراك خفت أن تذهب نفسي في غشيتي تلك فيختلف الناس، فجزاك الله عن الإسلام خيرًا، والله إن كنت لها لأهلًا. ثم أمره أن يتمم فأملى عليه: فاسمعوا وأطيعوا، وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرًا، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدّل فلكل امرئ ما اكتسب، والخير أردت، ولا أعلم الغيب (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) والسلام عليكم ورحمة الله