فهرس الكتاب

الصفحة 2216 من 7068

نعم ... كان الصديق أشجع الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان أثبتهم قلبًا، وحسبُكَ من ذلك ثبات قلبه يوم بدر، وهو يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، كفاك بعض مُناشدتك ربّك، فإنه مُنجز لك ما وعدك، وثبات قلبه يوم أُحد، وقد صرخ الشيطان بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد قُتل، ولم يبق أحدٌ مع أحد، وثبات قلبه يوم الخندق، ويم صلح الحديبية، ويوم حُنين حين فر الناي ولم يفرّ.

ولو لم يكن من شجاعته إلا ثبات قلبه، وتثبيته المسلمين عند الخطب الأعظم والأمر الأفخم بموت نبينا صلى الله عليه وسلم، إذ زاغت قلوب كثيرٍ من الناس، وزُلزلوا بموته زلزالا شديدًا، وأُقعد بعضهم، وشك آخرون، لكفانا ذلك دليلا على عظيم شجاعته وقوة قلبه، إذ كان قلبه في تلك النازلة العُظمى التي اهتزت لها الدنيا بأجمعها، لو وُزن بقلوب الأمة لرجحها.

وكان عزمه في قتال من ارتدّ، لو فُرِّق على قلوب الجبناء من أهل الأرض لشجّعهم إلى أن قام بمهمة قناة الإسلام بعد اعوجاجها، وجرت الملة الشهباء على سننها ومنهاجها، وأذّن مؤذِّن الإيمان"ألا إن حزب الله هم الغالبون"وتولَّى حزبُ الشيطان وهم خاسرون، فتلك -لعمر الله- الشجاعة التي تضاءلت لها فرسان الأمم، والهمة التي تنازلت لها أعالي الهمم، فرضوان الله عليهم أبدًا ما شهر بارقن وقُهر مارق، وعلى بقية الصحابة أجمعين.

شهيد المحراب عمر بن الخطاب

إنه الفاروق عمر بن الخطاب-رضي الله عنه، ولد بعد عام الفيل بثلاث سنوات، وكان من بيت عظيم من قريش، وكان قبل إسلامه من أشد الناس عداوة ل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكان يرى أن محمدًا قد فرق بين الناس، وجاء بدين جديد، فبلغ من ضيقه وكرهه أنه حمل سيفه وتوجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يقتله، وفي الطريق قابله رجل، فقال له: أين تريد يا عمر؟ قال: أريد أن أقتل محمدًا، قال الرجل: وكيف تأمن من بني هاشم وبني زهرة إذا قتلته؟ فقال عمر: ما أراك إلا قد صبأت وتركت دينك الذي كنت عليه. قال الرجل: أفلا أدلك على ما هو أعجب من ذلك؟ قال عمر: وما هو؟ قال: أختك وزوجها قد صبوا وتركا دينك الذي أنت عليه.

فغضب عمر أشد الغضب، وغير وجهته؛ حيث اتجه إلى بيت أخته فاطمة ليرى صدق ما أخبر به، فلما أتاهما وكان عندهما خباب بن الأرت-رضي الله عنه-، فدفع عمر الباب وقد سمع أصواتهم وهم يقرءون القرآن، فقال مستنكرًا: ما هذه الهيمنة (الصوت غير المفهوم) التي سمعتها عندكم؟ فقال سعيد بن زيد زوج أخته: حديثًا تحدثناه بيننا.

قال عمر: فلعلكما قد صبوتما. فقال له سعيد: أرأيت يا عمر إن كان الحق في غير دينك؟ فوثب عمر عليه وأخذ يضربه، فجاءت أخت عمر فدفعت عمر عن زوجها فلطمها بيده، فسال الدم من وجهها، فقالت: يا عمر، إن كان الحق في غير دينك، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله.

فلما يئس عمر منهما قال: أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرأه، فقالت أخته: إنك نجس ولا يمسه إلا المطهرون، فاغتسل أو توضأ، وعلمته كيف يتوضأ، فقام عمر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت