فهرس الكتاب
يروى أن المشركين هاجموا المسلمين ذات يوم، وكان فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وضُرب أبو بكر ضربًا شديدًا، ثم حُمل إلى داره. فلما أفاق سأل أمه"أم الخير": مافعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: واللَّه مالى علم بصاحبك! فقال: اذهبى إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه.
فخرجَتْ حتى جاءت أمَّ جميل، فقالتْ: إن أبا بكر يسألكِ عن محمد بن عبد اللَّه، فقالت أم جميل: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد اللَّه، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك. قالتْ: نعم. فمضتْ معها حتى وجدتْ أبا بكر صريعًا، فاقتربتْ أم جميل منه، وصاحت: واللَّه إن قومًا نالوا هذا منك، لأهل فسق وكفر، وإنى لأرجو أن ينتقم اللَّه منهم. قال: فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: هذه أمك تسمع، قال: فلاشيء عليك منها. قالت: سالم صالح. قال: أين هو؟ قالت: في دار ابن الأرقم. قال: فإن للَّه على لا أذوق طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأمهلتاه حتى سكن الناس. ثم خرجتا به يتكئ عليهما؛ حتى أدخلتاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم:.
وقد روت -رضى اللَّه عنها- عن النبي صلى الله عليه وسلم عدة أحاديث
المحاربة أم المحاربين (نسيبة بنت كعب)
"ما التفتُّ يومَ أُحد يمينًا ولا شمالا إلا وأراها تقاتل دوني".
يقول النبي صلى الله عليه وسلم عنها:"لمَقَاَم نسيبة بنت كعب اليومَ خيرٌ من مقامِ فلان وفلان" [ابن سعد] .
وتقول عن نفسها: رأيتُنى وقد انكشف الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم، فما بقى إلا في نفر لا يتمُّون عشرة، وأنا وابناى وزوجى بين يديه نذبّ عنه (ندافع عنه) ، والناس يمرون به منهزمِين، ورآنى لا تِرْسَ معي، فرأى رجلًا موليًا معه ترس، فقال (لصاحب الترْس:"ألْقِ تِرْسَكَ إلى مَنْ يقاتل". فألقى تِرْسَه، فأخذتُه، فجعلتُ أتَتَرَّسُ به عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما فعل بنا الأفاعيل أصحابُ الخيل، لو كانوا رجالًا مثلنا، أصبناهم إن شاء اللّه، فأقبل رجل على فرس، فضربنى وتترستُ له، فلم يصنع سيفُه شيئًا، وولَّي، فضربتُ عرقوب فرسه، فوقع على ظهره، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصيح: يا ابنَ أم عمارة، أمك أمك، فعاوننى عليه حتى أوردته شَعُوب(الموت) . فسمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"بارك اللّه عليكم من أهل بيت، رحمكم اللّه -أهل البيت-" [ابن سعد] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"اللهم اجعلهم رفقائى في الجنة" [ابن سعد] . فقالت أم عمارة: ما أبالى ما أصابنى من الدنيا.
ويقول ابنها عبد الله بن زيد: جُرِحْتُ يومئذٍ جرحًا، وجعل الدم لا يرقأ (لا يسكن عن الانقطاع) ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"اعصب جرحك"، فتُقبل أمى إلي، ومعها عصائب في حقوها، فربطتْ جرحي، والنبى واقف ينظر إلي، فقال:"انهض بُنَى فَضارب القوم". وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة". قالت: وأقبل الرجل الذي ضرب ابني، فقال صلى الله عليه وسلم:"هذا ضارب ابنك". فاعترضتُُ له فضربتُ ساقه، فبركَ. فرأيتُ النبي صلى الله عليه