فهرس الكتاب
فكانت في طليعة المؤمنات الصادقات، ورصَّعَتْ تاريخها على جبين التاريخ لتكون نموذجًا يُحتذي.
صابرة .. ومهرها الإسلام (أم سليم بنت ملحان)
بشرها النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، فقال:"دخلتُ الجنة، فسمعتُ خشفة (حركة) بين يدي، فإذا أنا بالغميصاء بنت ملحان" [متفق عليه] .
تُري .. ماذا عملت تلك السيدة لتكون من أهل الجنة؟ وماذا عن حياتها؟
إنها آمنتْ باللَّه، وآثرتْ الإسلام حين أشرقتْ شمسه على العالم، وتعلمتْ في مدرسة النبوة كيف تعيش المرأة حياتها، تصبر على ما يصيبها من حوادث الزمان؛ كى تنال مقعد الصابرين في الجنة، وتفوز بمنزلة المؤمنين في الآخرة.
فقد فقدت"الرميصاء"ابنها الوحيد، وفلذة كبدها، وثمرة حياتها؛ حيث شاء اللَّه له يمرض ويموت، فلم تبكِ ولم تَنُحْ، بل صبرتْ واحتسبتْ الأجر عند اللَّه، وأرادت ألا تصدم زوجها بخبر موت ابنه، وقررت أن تسوق إليه الخبر في لطف وأناة، حتى لايكون وقْع الخبر سيئًا.
عاد أبو طلحة، وقد كان غائبًا عن هذه الزوجة الحليمة العاقلة، فما إن سمعت صوت زوجها - حتى استقبلته بحفاوة وبوجه بشوش، وقدمت له إفطاره -وكان صائمًا- ثم تزينت له زينة العروس لزوجها ليلة العرس.
أقبل أبو طلحة يسألها عن الولد، وقد تركه مريضًا قبل أن يخرج، فتجيب في ذكاء ولباقة: هو أسكن من ذى قبل.
ثم تتحيَّن الزوجة الصابرة الفرصة، فتبادره في ذكاء وفطنة بكلمات يحوطها حنان وحكمة قائلة له: يا أبا طلحة ... أرأيت لو أن قومًا أعاروا أهل بيت عارية، فطلبوا عاريتهم، أيمنعونهم؟! قال: ليس لهم ذلك، إن العارية مؤداة إلى أهلها. فلما انتزعت منه هذا الجواب، قالت: إن اللَّه أعارنا ابننا، ثم أخذه مِنَّا، فاحتسِبْه عند اللَّه .. قال: إنا للَّه وإنا إليه راجعون. ووجد في نفسه مما فعلت زوجته.
فلما لاح الفجر، ذهب أبو طلحة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بما كان من زوجه أم سليم، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم:"بارك اللَّه لكما في ليلتكما" [البخاري] .
يقول أحد الصحابة: إنه وُلد لأم سليم وزوجها من تلك الليلة عبد اللَّه بن أبى طلحة فكان لعبد الله عشرة من الولد، كلهم قد حفظ القرآن الكريم، وكان منهم إسحق بن عبد الله الفقيه التابعى الجليل.
كانت أم سليم مؤمنة مجاهدة تشارك المسلمين في جهادهم لرفع راية الجهاد والحق، فكانت مع أم المؤمنين السيدة عائشة - رضى اللَّه عنهما - يوم أُحد، فكانتا تحملان الماء وتسقيان العطشي. وفى يوم حنين جاء أبو طلحة يُضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم من أم سليم، فقال: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر؟ فقالت: يا رسول الله إن دنا منى مشرك؛ بقرت به بطنه [ابن سعد] .
ولم تكتف الرميصاء بالمشاركة في ميدان الجهاد، بل اشتهرت مع ذلك بحبها الشديد للعلم والفقه، فعن أم سلمة -رضى الله عنها- قالت: جاءت أم سليم إلى رسول الله