فهرس الكتاب
الفتاة المهاجرة (أم كلثوم بنت عقبة)
اشترط كفار قريش لأنفسهم في صلح الحديبية الذي عقدوه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الشرط:"لا يأتيك منا أحد، وإن كان على دينك، إلا رددته إلينا"، فكان شرطًا قاسيًا وابتلاءً عظيمًا لكل من آمن من أهل مكة ولم يهاجر بعد ..
وكانت هناك فتاة قرشية أسلمت قبل هذا الصلح بكثير، أسلمت قبل أن يهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، لكنها لضعفها ورقتها لم تحتمل ما تعرض له مسلمو مكة بعد ذلك الصلح من فتنة وعذاب، وضاقت ذرعًا بما يصنع المشركون، فقررت -بالرغم من علمها بذلك الشرط- أن تهاجر إلى المدينة حيث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ليقضِ اللَّه -بعد ذلك- في أمرها ما يشاء.
إنها فتاة صَدَقتْ الله -عز وجل- وهاجرتْ في سبيله ابتغاء مرضاته، متوكلة عليه، وكانت بمفردها، ليس معها من رفيق سوى الله -عز وجل-.خرجتْ رغم أنف الكافرين راغبة في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم:، فحقق الله لها رغبتها.
خرجت، دون أن تُعْلِمَ أحدًا بخروجها، قاصدة يثرب، مهاجرة إلى اللَّه ورسوله. فيسر اللَّه لها قافلة لرجل من خزاعة، فاستبشرت خيرًا وأمِنت الرجل وقافلته على نفسها، إذ قد علمت أن خزاعة قد دخلت في حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ضد قريش، فصحبتهم إلى المدينة، فأحسنوا صحبتها حتى بلغت مأمنها ... وخرج أهلها يبحثون عنها، فعلموا أنها هاجرت إلى المدينة، فقالوا: لا ضير، بيننا وبين محمد عهد وصلح، وليس أحد من الناس بأوفى من محمد، نذهب إليه، ونسأله أن يفى لنا بعهدنا.
وقدم أخواها"عمارة"و"الوليد"المدينة في طلب أختهما، وعلمت الفتاة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفى لهما بما وعد، فأقبلت نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثقة فقالت: يا رسول اللَّه أنا امرأة، وحَالُ النساء إلى ما قد علمت (من الضعف) ، فأخشى إن رددتنى إليهم أن يفتنونى في دينى ولا صبر لي.
فإذا برحمات اللَّه تنزل لتلغى ذلك الشرط الجائر في حق النساء، فأنزل الله تعالى في ذلك قرآنًا يُتْلَى: (أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمناتمهاجرات فامتحنوهن ألله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار) [الممتحنة: 10] .
وتمثل هذا الامتحان في سؤال المرأة عن سبب هجرتها؛ ليتأكد من صدق إسلامها وحسن إقبالها على الله ورسوله .. فقالت:"باللَّه ما خرجت من بغض زوج، وباللَّه ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، وباللَّه ما خرجت التماس دنيا، وباللَّه ما خرجت إلا حبا للَّه ورسوله".
وعلم اللَّه ما في قلب هذه الفتاة المؤمنة من خير، فإنه ما أخرجها من أرضها وديارها إلا حب اللَّه وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل السكينة عليها، وألقى في قلوب المسلمين تصديقها، ورد أخويها والذين ظلموا على أعقابهم وخَيَّب مسعاهم .. وهكذا مَنْ تَصْدُقِ اللَّه يصدقْها، ومن تتوكل على اللَّه يَكْفِها، ومن تستنصر اللَّه ينصرها، قال تعالى: والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [يوسف: 21] .
إنها الصحابية الفاضلة"أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط"-رضى اللَّه عنها- أخت عثمان بن عفان لأمه، تزوجها زيد ابن حارثة -رضى الله عنه-، ثم ما لبث أن استشهد