فهرس الكتاب

الصفحة 257 من 7068

الهم والحزن. صُم دهرك، واجعل الموت فطرك، فما يَسُرُّنى أن اللّه خولنى أضعاف ما خولك، فيشغلنى به عنه طرفة عين، والسلام.

وعندما أتى رجل إليها ليعطيها أربعين دينارًا وقال لها: تستعينين بها على بعض حوائجك. بكت، ثم رفعت رأسها إلى السماء وقالت: هو يعلم أنى أستحى منه أن أسأله الدنيا وهو يملكها، فكيف أريد أن آخذها ممن لا يملكها؟ يا هذا وما ترى من سوء حالي؟! ألستُ على الإسلام؟! فهو العز الذي لا ذُل بعده، والغنى الذي لا فقر معه، والأنس الذي لا وحشة معه. فقام الرجل وهو يقول: ما سمعتُ مثل هذا الكلام. فقالت له: إنما أنت أيام معدودة فإذا ذهب يوم ذهب بعضك، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكلُّ، وأنت تعلم فاعمل.

كانت رابعة العدوية تصلى الليل، فإذا طلع الفجر هجعت في مُصَلاها هَجْعَة خفيفة حتى يسفر الفجر، فتثب من مرقدها وهى فزعة وتقول: يا نفس كم تنامين؟ وإلى كم تقومين؟ يوشك أن تنامى نومة لا تقومين منها، إلا لصرخة يوم النشور. ثم تبكى وهى ساجدة فإذا رفعت رأسها يُرى موضع سجودها مبلل من دموعها.

قال لها رجل ذات يوم: يا رابعة ادع لى! فقالت: من أنا، يرحمك اللّه؟! أطع ربك وادعه؛ فإنه يجيب المضطرين.

وقالت لها امرأة: يا رابعة، إنى أحبك في اللّه. فقالت لها: فلا تعصى وأطيعى من أحببتنى فيه، فسألتها: أترين من تعبدينه؟ فقالت: لو كنت لا أراه ما عبدته.

عاشت رابعة حتى صارت عجوزًا كبيرة لها ثمانون سنة، وكانت من زهدها في الحياة أن بدت ضعيفة تكاد تسقط على الأرض وهى تمشي. وكانت تضع أكفانها أمامها، فإذا ذُكر الموت انتفضت وأصابتها رعدة.

وحين قرب موتها قالت لخادمتها عبدة: يا عبدة لا تُؤْذِنِى بموتى أحدًا (أى لا تُخبريه) ، وكَفِّنِينِى في جُبَّتى هذه وفى خمارى الصوف؛ ليكمل لى بهما ثوابى يوم القيامة.

وتوفيت في سنة مائة وخمس وثلاثين من الهجرة وعمرها ثمانون عامًا. وقبرها يقع بظاهر القدس.

ومن أقوالها المأثورة:

أستغفر اللَّه العظيم من قلة صدقي في قولي. أستغفر اللَّه.

* كلوا خبز الدنيا واعملوا للآخرة.

* مُحِبُّ الله لا يَسْكُنُ أنينُه وحنينُه حتى يسكن في جنة محبوبه.

* وكانت توصى الناس بقولها: اكْتُمُوا حسناتِكُمْ كما تكتمون سيئاتكم.

نفيسة العلم (نفيسة بنت الحسن)

كانت من العابدات الزاهدات القانتات لله، كما كانت مصباحًا أضاء الطريق للسالكين الحيارى، وقدوة احتذاها أهل التقوى والإيمان.

فى مكة المكرمة، ولدت نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن ابن على بن أبى طالب، وكان ذلك اليوم السعيد بعد مائة وخمسة وأربعين عامًا من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم عام 145هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت