فهرس الكتاب
كمال لهذه الشريعة وسمو في منهجها فهذا يوم العيد يوم الفرح والسرور والنفوس تحتاج أن يدخل عليها الإنسان شيئًا من الدعة والألف حتى يذهب عنها ما تجده من السآمة والملل. فلما كان يوم العيد دخل الحبشة ولعبوا بالحراب داخل مسجد رسول الله- صلى الله عليه وسلم -، فانظر هذا البيت الذي هو ثاني بيت من بيوت الله- تعالى - فضلًا مسجد الرسول- صلى الله عليه وسلم - إذا به يتخذ مكانًا للعب بالسلاح في يوم العيد لأنه يوم فرح فلما دخل عمر- رضي الله عنه - وأراد أن يحصبهم- رضي الله عنه -؛ لأنه رأى بيت الله ومسجد الله وهؤلاء يعبثون به بالسلاح فأراد أن يحصبهم، فقال:"يا عمر دعهم يا عمر فإنه يوم عيدنا". دين كمال يعطي كل شيء حقه وحظه فلذلك لما كان هذا اليوم أرادت أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها- أن تدخل على نفسها السرور فاختارت أن تنظر لهؤلاء الحبشة وهم يعبثون بالسلاح فسألت رسول الله- صلى الله عليه وسلم - ذلك. فانظروا امرأة تقول اقدروا قدر الصبية الجهلاء لأنها كانت في سن صغيرة تطلب هذا من رسول الله- صلى الله عليه وسلم - هل قال لها أنت ناقصة عقل أنت تضيعين الوقت، أمامنا الجنة أمامنا الآخرة. شغلها إلى الدنيا الوقت وقت للدنيا ووقت للاستجمام فما كان منه بأبي وأمي- صلى الله عليه وسلم - إلا أن وقف على رجليه الشريفتين- صلى الله عليه وسلم - من أجل أن تنظر إلى الحبشة لا من أجل النظر ولكن لعلمه- صلى الله عليه وسلم - أن هذا الوقوف يرضي الله فأرضى الله بوقوفه وقف وهو سيد الأمة واكمل الأمة بأبي وأمي- صلى الله عليه وسلم - فما شعر بالغضاضة ولا شعر بالنقص لأنه يحس أنه يدخل الإلف والمحبة والسرور على أهله وأنه يترجم بهذا الوقوف عن المحبة الصادقة والزوجية الكاملة، ولذلك كان خير زوج لزوجه- صلى الله عليه وسلم - ففي هذا أكمل الهدى وأفضله لمن أراد أن يعاشر بالمعروف. كانت تصنع له الطعام والشراب فكان إذا جمعه مع أهله وحبه وزوجه السقف الواحد لا يسمعها كلمة تكره تأتيه بالطعام إن وجده خيرًا حمده وأثني وشكر بعد شكر الله من صنعه، وإن وجد فيه النقص ماذمه ولا عابه ولا ذم التي صنعت وفعلت بأبي وأمي-صلوات الله وسلامه عليه-. فالعشرة بالمعروف تحتاج إلى شيء من التضحية وتحتاج إلى شيء من الصدق في المحبة ومبادلة المشاعر التي تنبيء عن الكمال في الزوجية والإلفة، ولذلك كان هديه- صلى الله عليه وسلم - أكمل الهدي. ثبت في الحديث الصحيح عنه-عليه الصلاة والسلام- عن أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها- أنها قالت: كان يؤتى إليه بالشراب تأتيه- صلى الله عليه وسلم - بالمرق أو باللبن تقول-رضي الله عنها- وهو الذي طلب وسأل تقول-رضي الله عنها- فيقسم علي أن أشرب قبله، يقسم على أن اشرب قبله لأنها ماكانت لترضى لأنها كريمة بنت كريم فما كانت ترضى أن تتقدم على رسول الله- صلى الله عليه وسلم - فحفظت حقه فإذا أذنته بالشراب قال لها أشربي فأبت فإذا أبت حلف عليها قالت يقسم علي فتأخذ الشراب فتشرب فيضع فمه حيث وضعت فمها-صلوات الله وسلامه عليه-. هل هو يريد وضع شربها لا والله؛ ولكنه يريد أن يشعرها بالمكانة، يشعرها بالمحبة يشعرها بالمودة؛ لأنه كما يتقرب لربه ساجدًا وراكعًا يتقرب إلى الله بجبر قلبها وإدخال السرور عليها ويتقربإلى الله بحسن مباسطتها وبالتشريع للأمة بالكمالات وبأحسن المعاملات التي تكون بين