حكم التبني وأبعاده الإنسانية والاجتماعية
ندوة في مسجد الدعوة - باريس
مع حضور بعض المستشرقين وأساتذة الجامعة في ليون
يوم السبت 28/ 4/2001
كان المجتمع العربي في الجاهلية قبل الإسلام كغيره من المجتمعات الأخرى غير العربية من رومان ويونان في الماضي، وأمم وشعوب في الوقت الحاضر، يسير على منهج عقلاني، ومزاج ذاتي، وتصورات ضيقة الأفق، مما أدى إلى وجود عادات وتقاليد موروثة تتعارض مع أصول الأخلاق القويمة، وسلامة المجتمع، ووحدة الأسرة وانسجامها. وكان التبني: وهو اتخاذ ابن أو بنت الآخرين بمثابة الابن أو البنت من النسب الصحيح والأصيل، هو أحد هذه العادات الشائعة، إما للتجاوب مع النزعة الفطرية في حبّ الأولاد حال العقم أو اليأس من الإنجاب، وإما لاستلطاف أو استحسان ولد أو بنت لآخر، فيجعل الولد متبنى، مع العلم بأنه ولد الأب الآخر الحقيقي، وليس ولدًا للمتنبي في الحقيقية، وربما كان سبب التبني أو الباعث عليه رعاية ولد لقيط أو مفقود أو مجهول النسب، أو لا عائل ولا مربي له، فيكون تبنيه حفاظًا عليه من الضياع أو الموت والهلاك. وقد يكون التبني نابعًا من حب الرفعة والانضمام لنسب والد مرموق في المجتمع، أو شريف الأصل، أو ذي عزة وجاه وشرف كبير بين فئات المجتمع، وقد يكون هناك حالة من الفقر المدقع، أو حب الذات، أو التخلف أو انعدام عاطفة الرحمة الأبوية أو عاطفة الأمومة، هي السبب في التخلي عن الولد بالبيع أو الهبة أو الترك والإهمال، فيتلقفه الآخرون، ويضم إلى أسرة غريبة عنه في الدم والأصل والبيئة والأعراف، كما نسمع ونشاهد اليوم، ولاسيما في شاشات الإنترنيت وغيرها من وسائل الاتصال الحديثة، من إقدام أمّ على التنازل عن ولدها أو ولديها فأكثر، لقاء مبلغ من المال، وهذا لون من الرق والاستعباد الباقي في الأوساط المعاصرة والحضارة الحديثة في العالم غير الإسلامي.
وإذا اتفق العالم المعاصر على تحريم الاسترقاق بدءًا من معاهدة إلغاء الرق في العالم سنة 1952م فينبغي الاتفاق أيضًا على إلغاء التبني الذي هو صورة أخرى أو مظهر شاذ من صور أو مظاهر الجور ومصادمة الطبيعة البشرية السوية التي تتطلب نسبة كل ولد لأبيه وأمه الحقيقيين، لا إلى الأب المتبني، ووجه الربط بين التبني والاسترقاق واضح، وهو أن المتبني يملك المتبنى.
وقد ظل العمل بالتبني بين العرب في الجاهلية بعد ظهور الإسلام الذي لم تتقرر فيه أحكام التشريع الإلهية دفعة واحدة، وإنما على منهج التدرّج والتربية شيئًا فشيئًا، فكان العربي في تلك الفترة الجاهلية إذا أعجبه من الفتى قوته ووسامته (أو جَلَده وظَرْفه) ضمه إلى نفسه، وجعل له نصيب أحد من أولاده في الميراث، وكان ينسب إليه، فيقال: فلان بن فلان.
وتمشيًا مع هذه الظاهرة تبنى محمد بن عبد الله r قبل أن يصبح رسولًا برسالة إلهية شابًا من سبايا بلاد الشام، سباه رجل من تهامة، فاشتراه حكيم بن حزام بن خويلد، ثم